والتأويلات :
أحدها : القصد إلى صفة القلوب بأنّها كالمختوم عليها ، وأما إسناد الختم إلى اللّه فللتنبيه على أنّ هذه الصفة في فرط تمكّنها وثبات قدمها كالشئ الخلقي غير العرضي ، ولهذا قال :
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ
[ 4 / 155 ] ألا ترى إلى قولهم :
فلان مجبول على كذا ، مفطور عليه ؟ يريدون إنّه بليغ في الثبات عليه .
وثانيها : إنّه يكفى في حسن الإضافة أدنى سبب ، والشيطان هو الخاتم بالحقيقة أو الكافر . إلّا انّ اللّه تعالى لمّا كان هو الذي أقدرهم على ذلك ، أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبّب .
قال صاحب الكشّاف : إن للفعل ملابسات شتّى ، يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والمسبّب ، فإسناده إلى الفاعل حقيقة وإلى غيره استعارة لمضاهاتها الفاعل في ملابسته ، فيقال : عيشة راضية ، وشعر شاعر ، ونهاره صائم ، وطريق سائر وبنى الأمير المدينة .
وثالثها : إنّهم أعرضوا عن التدبّر ولم يصغوا إلى الذكر وكان ذلك عند إيراد اللّه تعالى الدلائل ، فأضيف ما فعلوا إلى اللّه تعالى لأنّ حدوثه إنّما اتّفق عند إيراده تعالى عليهم كقوله تعالى في أهل التورية
فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ
[ 9 / 125 ] أي ازدادوا بها كفرا إلى كفرهم .
ورابعها : أن يكون ذلك حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكّما به في قولهم :
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
[ 41 / 5 ] .
ونظيره في الحكاية والتهكّم قوله
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ
[ 98 / 1 ] .
وخامسها : إنّ المراد به تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها اللّه خالية عن الفطن ، أو قلوب مقدّرة ختم اللّه عليها . ونظيره : سال به الوادي : إذا هلك . وطارت به