منبعثة عند الآخرة من سموم أخلاقها وعاداتها الردّية .
فمن أساء عمله وأظلم جوهر نفسه وكدر مرآة فطرته وأخطأ في اعتقاده واحتجب عن مراده بحسب ما اقتضاه في أصل استعداده ، فقد ظلم نفسه بظلمة جوهره وبطلان استعداده . فكان أهلا للشقاوة في مرجعه ومعاده ، ينادى على لسان المالك : « مهلا ، فيداك أوكتا وفوك نفخ » « 1 » كما قال سبحانه :
بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
[ 2 / 225 ] وقوله :
وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[ 16 / 33 ] فثبت وتحقّق إنّ ترتّب العقوبات ومقابلاتها من المثوبات هي ثمرات ولوازم وتبعات وعوارض لأمور موجودة فينا بالقوّة ، تخرج يوم الآخر من القوّة إلى الفعل ، بل هي مطويّة في نفوسنا في هذه النشأة ، مكمونة في مكامن الطبيعة وغشاوات المادّة . فإذا قامت القيمة وكشف الغطاء وحشرت النفوس ونشرت الصحائف ، أظهرها اللّه وأبرزها بحيث تترتّب عليها المثوبة والعقوبة وينبعث منها النعمة والنقمة والراحة والمصيبة والنعيم المقيم والعذاب الأليم .
عقدة أخرى وحل [ الخلود في النار ]
ولك أن تقول : إنّ الذي بقي من الإشكالات المتعلّقة بهذا المقام ، والعقود المفصلة « 2 » الغير المنحلّة إلى الآن عند جمهور العلماء وأهل النظر والكلام - إلّا من نوّر اللّه بصيرته بنور الكشف - إعضال خلود الكفار في النار بالعذاب الدائم ، فإنّ شيئا ممّا ذكر من الأسباب الفاعلة والمدبّرات العالية لا يوجب ذلك - لأنّها مبرّأة عن الشرور والنقائص - ولا شيئا من القوابل المادية يحتمل التعذيب الدائم والانفعال الغير المتناهي - كما بيّن في مقامه - والرحمة الإلهيّة التي وسعت كل شيء تنافي التعذيب الدائم كما مرّت الإشارة إليه
هامش
( 1 ) مضى شرح هذا المثل في تعليقة ص 121 .
( 2 ) ن : المعضلة .