تحقيق عرشي [ هل توجب الكبيرة الخلود في النار ؟ ]
اعلم إنّ سبب خلود أهل النار في النار وحرمانهم عن النجاة هو الملكة الراسخة للنفس بواسطة الأفاعيل الموجبة لحصول ما هو فيها بمنزلة الطبع والرين في المرآة المقتضي لعدم قبولها للتصقيل والتصفية ، سواء كان منشأها الكفر والجحود ، أو المعاصي والسيّئات .
فإنّ النفس الإنسانيّة في الفطرة الأولى قابلة لقبول آثار الملائكة وآثار الشيطانيّة وآثار البهائم والسباع قبولا متساويا ، وإنّما يقع المنع لها عن قبول بعض تلك الآثار بواسطة حصول بعض آخر لها ، ومتى اشتدّ حصول البعض فيها بحيث صار ملكة راسخة فيها ، منع بالكليّة عن قبول آثار الغير ، فمتى رسخت للقلب صفات البهيميّة أو السبعيّة أو الشيطانيّة بحيث انّها صارت ملكة كالطبع والرين لمرآة القلب ، فكدرتها وظلمتها صارت مانعة له عن قبول صورة الرحمة الرحموتيّة والهيئة الملكوتيّة منعا كليا أبديّا لكون المانع هناك صفة ذاتيّة جوهريّة كما حقّق في مجال أوسع من هذا المجال .
وقد مرّت الإشارة إلى أن الإنسان في أول أمره ، بين أن يكون بهيمة أو سبعا أو شيطانا أو ملكا ، وفي الآخرة لا يكون إلّا أحد هذه الأمور لأجل غلبة بعض الصفات المختصّة به على قلبه من جهة تكرّر أفاعيل تناسبها ، وإلى نحو هذا المعنى أشير في قوله
فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ
وقوله
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
.
فإذا تقرّر هذا ، فربّ كبيرة من المعاصي يوجب تكرّر فعلها عن النفس خلودها في النار لضعف الايمان وقوّة العائق عن الخلاص ، وربّ كبيرة لا يكون كذلك لقوّة الايمان وضعف العائق فيحتمل العفو عنها ، واللّه أعلم بأحوال قلوب العباد . فعلى هذا لا تناقض بين الآيات الدالّة على ثبوت الوعيد من اللّه على صاحب الكبيرة والآيات الدالّة على ثبوت العفو عمّن يشاء ، وسنزيد لهذا وضوحا في موضع آخر إنشاء اللّه تعالى .