عالم الملائكة وقد ينزل فيها ويسعى - وشرح ذلك يطول .
وهذه العوالم كلّها منازل للهدى ، ولكن الهدى المنسوب إلى اللّه يوجد في العالم الأخير وهو عالم الأرواح وهو قوله
قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ
[ 3 / 73 ] .
ولهذا قد وصف تعالى أولئك الموقنين بالآخرة على طريقة المدح بقوله عز وجل :
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
معنى هذا الاستعلاء بيان لتمكّنهم من الهدى واستقرارهم عليه تشبيها بحال من اعتلى الشيء وركبه ، واستعارة لعلى الموضوعة للثاني للأول ، ونظيره فلان على الحقّ وفلان على الباطل .
وربما وقع التصريح به كما في قولهم : ركب على متن الجهل . وجعل الغواية مركبا والجهل مطيّة وامتطى الباطل .
وتحقيق القول في كونهم على الهدى تكرّر الإدراكات للأمور العقليّة وتكثّر الاشتغال بملاحظة الأشياء الملكوتيّة والمواظبة على الأفكار الصحيحة ودفع الشكوك والشبهات عن المقاصد الحقّة وطرد شياطين الأوهام والخيالات بنور المعرفة واليقين حتّى يحصل للنفس ملكة الاتّصال بعالم الملكوت متى شاءت من غير تجشّم وكثير تعمّل .
فكأنّه تعالى لمّا مدحهم بالايمان بما انزل على الأنبياء عليهم السلام والاطّلاع على ما في الصحف النازلة من السماء ، مدحهم بالإقامة على ذلك وإدامة النظر فيها والمواظبة على حراستها عن شبه الضالّين ، وأوهام المعطّلين وذلك واجب على كلّ عاقل إذا كان متشددا في الدين خائفا وجلا محاسبا نفسه في علمه وعمله بمقتضى البراهين ، وإذا حرس نفسه عن الزيغ والضلال ودوام على العمل للآخرة من غير إخلال ، كان ممدوحا بكونه على هدى وعلى بصيرة .
وتنكير هدى ، للدلالة على ضرب مبهم لا يبلغ كنهه ولا يعلم غوره ولا يعرف قدره .
قال بعض الأكابر : الهدى من اللّه كثير لا يبصره إلّا بصير ولا يعمل به إلّا يسير ألا ترى انّ نجوم السماء يبصره كلّ بصير ولا يهتدى بها إلّا عالم خبير .