تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
فالأمر فيه أظهر « 1 » . فهذا تحقيق مهيّة الكفر على قاعدة الاستدلالات الكلاميّة وظهر منه انّه يرجع إلى الإنكار الباطني أو عدم التصديق القلبي فيكون من أعمال القلب كالايمان لكونهما متقابلان إما تقابل التضاد أو تقابل العدم والملكة كالعلم والجهل ، فعلى هذا لبس الغيار وشد الزنّار ونحوهما إنّما يسمّى كفرا لأنّها تدل على تكذيب الرسول صلّى اللّه عليه وآله . فإنّ من آمن باللّه وصدّق الرسول ، لا يجترئ عليها ظاهرا لا أنهما كفر في نفسهما كما انّ التزيّى بشعار المسلمين دالّ على الايمان ، لا إنّه ايمان . وأما تحقيق حقيقة الكفر عند العرفاء الذين يعرفون الأمور بالبصيرة الباطنيّة لا بالاستدلال الكلامي ، فهو انّه عبارة عن الاحتجاب عن نور الايمان ، لما علمت انّ الايمان الحقيقي نور فائض من اللّه على القلب ، به ينكشف أحوال المبدإ وأسرار المعاد ، ولهذا الايمان قشر وهو ايمان المتكلّم ولقشره قشر وهو ايمان العوام . فالكفر الذي يقابله ، هو الستر والاحتجاب عن ذلك النور بالكليّة وهو على ضربين : لان هذا الاحتجاب إمّا بأمر وجودي كالظلمة التي يضادّ ذلك النور ، وهو الجحود للحقّ والإنكار له عدوانا وعنادا للجهل المركّب الراسخ في النفس أو بأمر عدمي هو عبارة عن عدم الايمان للجهل البسيط المقابل للعلم تقابل العدم للملكة . وقد وقع الفرق بين القسمين في كلام اللّه كثيرا كما في هذه الآية والآية التي يتلوها ، ولهذا قيل : إنّ المراد هاهنا بقوله : « الّذين كفروا » مشركي مكّة وصناديد قريش من الذين غلظت طبائعهم وغلبت الكثافة والجسميّة على نفوسهم والختم على قلوبهم ، فقلوبهم في أكنّة ونفوسهم لم تخرج بعد من القوّة إلى الفعل لعدم السمع الباطني والبصر الباطني لهم .
هامش
( 1 ) الفخر الرازي : 1 / 259 .