الآخرة ومشاهدة الأرواح المجرّدة عن غشاوة هذه القوالب بواسطة انفتاح باب الملكوت على روزنة القلوب ، وأعني بهذه الأرواح الحقائق المحضة والصور المجردة عن كسوة التلبيس وغشاوة الأشكال .
وهذا العالم لا نهاية لها ، بخلاف عوالم المحسوسات والمتخيّلات ، فإنّها متناهية .
وأكثر الناس إدراكهم مقصور على عالم الحسّ والتخيّل من الطبيعيات والمقداريّات ، ولم يؤمنوا بما وراء المحسوس والمتخيّل ، ولم يعلموا علم ما قبل الطبيعة ولم يذعنوا بها كما قال تعالى
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
[ 12 / 103 ] .
وهذان المنزلان هما النتيجة الأخيرة من نتائج عالم الملكوت ، سيّما عالم المحسوس فإنّه القشر الأقصى من اللباب الأصفى ومن لم يجاوز هذه الدرجة ، فكأنه لم يشاهد من مراتب الجوز إلا قشرته ، ومن عجائب الإنسان إلّا بشرته . ومقام كلّ أحد ومحلّه ومنزله ومعاده في العلو والسفل بقدر إدراكه وهو معنى
قول أمير المؤمنين عليه السّلام « 1 » : « الناس أبناء ما يحسنون »
أي يعلمون وبه يعملون .
فالإنسان بين أن يكون بهيمة أو جنيّا أو ملكا ، وللملائكة درجات . فالسير في عالم الملكوت - وفيه منبع الحياة الأبدية - مثاله المشي على الماء ثمّ يترقّى منه إلى المشي في الهواء ولذلك
لمّا قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله « 2 » : إن عيسى عليه السلام كان يمشى على الماء ، قال : لو ازداد يقينا لمشى في الهواء .
وأمّا التردّد على المحسوسات ، فهو كالمشي على الأرض ، وبينها وبين الماء 268 - أي عالم الملكوت - عالم يجرى مجرى السفينة والمعبر من عالم الملك إلى عالم الملكوت الأعلى ، وفيها يتولّد درجات الجنّ والشياطين . 269 فمتى تجاوز الإنسان عالم البهائم ينتهى إلى عالم الجنّ والشياطين . ومنه يسافر إلى
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : الروضة ، باب ما جمع من جوامع كلمه ( ع ) : 78 / 46 .
( 2 ) كنز العمال : اليقين : 3 / 439 .