تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
تيقّنت انّ السماء فوق الأرض ، وانّ الكلّ أعظم من الجزء ، فيقال ذلك في العلم الحادث والمكتسب . وستعلم إنّ العلم بالآخرة وما فيها لا يحصل إلا من جهة العلم بما في الدنيا . ثمّ إنّه تعالى مدحهم على كونهم متيقّنين بالآخرة ، ومعلوم إن مجرّد الإيقان بها لأحد لا يوجب استحقاق التمدّح ، بل لا يستحقّ المدح إلّا من تيقّن بوجود الآخرة مع ما فيها من الحشر والنشر والحساب والميزان والجنّة والنار ، وما فيهما من نعيم السعداء وجحيم الأشقياء . و روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إنّه قال : يا عجبا كل العجب من الشاكّ في اللّه وهو قد يرى خلقه . وعجبا ممن يعرف النشأة الأولى وينكر النشأة الآخرة . وعجبا ممّن ينكر البعث والنشور وهو كل يوم وليلة يموت ويحيى - يعنى النوم واليقظة - وعجبا ممّن يؤمن بالجنّة وما فيها من النعيم . ويسعى لدار الغرور . وعجبا للمتكبّر الفخور وهو يعلم إنّ أوله نطفة مذرة ، وآخره جيفة قذرة . و إنّما قال صلّى اللّه عليه وآله : عجبا ممن يعرف النشأة الأولى وينكر النشأة الآخرة لأنهما متضايفتان ، والمتضايفتان معان في التعقّل . فمن أنكر الآخرة فكأنه لم يعرف الدنيا بحسب التعقّل بل بالحس فقط . وتحقيق هذا المقام : إنّ الآخرة صفة للنشاة أو الدار وإنّما وصفت بها لأنّها متأخّرة عن النشأة الأولى والدار الدنيا . وإنّما سميّت الدنيا بالدنيا ، لأنّها أدنى من الآخرة بالقياس إلينا لا بحسب الترتيب الوجودي ، فإنّ هذه الدار آخر العوالم والنشآت طبعا وشرفا لأنّ موجوداتها آخر ( أخسّ - ن ) الموجودات وأبعدها في سلسلة الاستناد إلى المبدإ الأول وبارئ الكلّ ، والإنسان في مبدأ كونه وحدوثه هو من جملة الموجودات الواقعة في هذه الدار ، لأنّه في أول الوجود من حزب الحيوانات ، ونشأة الحيوان بما هو حيوان نشأة الحسّ والمحسوس ، ولهذا حدّ بأنّه جوهر ذو بعد حسّاس والحسّاس تمام حقيقته ، وكمال أول لجنسه به يتمّ نوعه ويكمل جنسه .