تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
فما من حيوان إلّا وله قوّة الحسّ أيّ حسّ كان ، وإن كان مجرد قوّة اللمس ، وهذا أنزل مراتب الحيوانات كالدود والخراطين وآخر مراتب الحيوانيّة يتحقّق فيما له الحواسّ الظاهرة والباطنة جميعا ، فإن كان مع ذلك يستعدّ لإدراك المعقولات بالقوّة فهو الواقع في آخر الدرجات الحيوانيّة وأول النشآت الإنسانية ومنازله ، فأول منزل من منازل الإنسان الذي يشارك معه سائر الحيوان ، هو نشأة الحسّ ويقال لها الدنيا وعالم الشهادة وتقابله الآخرة وعالم الغيب ، وهذا العالم هو منزل الأبدان والقوالب الحسيّة والآخرة منزل النفوس وبعدها منزل الأرواح القدسيّة . وللإنسان أن ينتقل من منزل إلى منزل ، فالمحسوسات منزله الأول ، والمتخيّلات منزله الثاني ، والمعقولات منزله الثالث ، وهذا الانتقال هو بعينه من قبيل انتقالاته الفكريّة الواقعة له من المحسوس إلى المتخيّل ، ومنه إلى المعقول . فالدنيا نشأة الحسّ وعالم الشهادة ، والإنسان ما دام كونه في هذه النشأة بحسب الطبع غير مرتق إلى ما ورائها ، فهو بعد من جملة البهائم والدوابّ والأنعام ، وإذا انتقل إلى نيل المتخيّلات والوهميّات مقتصرا عليهما فهو من قبيل الجنّ ، إذ الجنّ والشياطين إدراكاتها مقصورة على المتخيّلات والموهومات وليس يفتح لهم باب الملكوت الأعلى . وبعد هذا المنزل يترقّى الإنسان إلى إدراك الأمور التي لا يدخل في حسّ ولا تخيّل ولا وهم فيشاهد الأمور المستقبلة الدائمة ، ويكاشف الصور العقليّة ويتهيّأ لادراك الحقائق الاخرويّة والسرور الأبدية ، ويصل إلى السعادة القصوى التي ليس وراءها سعادة ، وهذا هو آخر درجات الإنسان وبه يتمّ حقيقة الإنسانيّة ، لأنّ تمام حقيقته هي الروح المنسوبة إلى اللّه تعالى في قوله :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ 15 / 29 ] . وإذا علمت هذه المقدّمات ، فاعلم إنّ معنى الإيقان بالآخرة الذي مدح اللّه به طائفة من العرفاء والمحقّقين من أهل الايمان ، المهتدين بنور اللّه ، هو مكاشفة أحوال
تفسير القرآن الكريم — صفحة 304 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )