بخلاف ذلك .
و
في الحديث « 1 » : إنّ الحارث بن هشام سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : كيف يأتيك الوحي ؟ قال : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّ على فيفصم عنّي وقد وعيت عنه ما قال . وأحيانا يمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي بالقول .
وربما يكون صقالة النفس النبويّة أتم وتجرّدها في بعض الأحايين أقوى وسلطانها على قهر الصوارف الجسدانيّة والشواغل الهيولانيّة أعظم ، فيكون عند الانصراف عن عالم الحسّ والاتّصال بروح القدس استيناسها بجوهر ذاته المجرّدة ، أشدّ منه بالشبح المتمثّل ، فتشاهد ببصر ذاتها العاقلة الصائرة عقلا بالفعل معلّمها القدسي ومخرجها من حدّ القوّة النفسانيّة الهيولانية إلى حدّ الكمال العلمي والعقل الصوري وتستفيد منه وهو في صورته القدسيّة ، العلوم والأحوال كما قال تعالى
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى
[ 53 / 5 ] .
وربما وصل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله إلى مقام أعلى من أن يتوسّط بينه وبين المبدأ الأول والمفيض على الكلّ واسطة ، فسمع كلام اللّه بلا واسطة كما قال تعالى
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
[ 53 / 8 ] .
وقد ذكر انّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله إنّما رأى جبرئيل عليه السلام بصورته الحقيقيّة مرّتين « 2 » . وكان بحيث طبّق الخافقين . وإلى مثل هذه الرؤية له عليه السلام أشار تعالى بقوله :
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى
[ 53 / 12 ] .
ثمّ دون هذا الضرب بسائر درجاته مما يتّفق لمن له من القوّة القدسيّة نصيب أن يرى ملائكة اللّه ويسمع كلام اللّه ولكن في النوم لا في اليقظة . وسبيل القول أيضا انّ الأمر
هامش
( 1 ) البخاري : 1 / 3 وفيه فروق يسيرة .
( 2 ) راجع دلائل النبوة للبيهقي : 2 / 117 .