لطهارة الظاهر أيضا تأثير في إشراق نورها على القلب . فإنّك إذا أسبغت الوضوء واستشعرت نظافة ظاهرك ، صادفت في القلب انشراحا وصفاء لا تصادفه قبله . كيف وإدراك النظافة يوجب حصول صورتها في القلب ، وهذا ضرب من الوجود ، وفعل الطهارة أوجب حصولها في القلب ولو بوجه ضعيف .
وذلك لسرّ العلاقة الواقعة بين عالم الشهادة وعالم الغيب ، فإنّ ظاهر البدن من عالم الشهادة والملك ، والقلب من عالم الغيب والملكوت بأصل فطرته ، وإنّما يكون هبوطه إلى هذا القالب كالغريب عن موطنه الأصلي ، ونزوله إلى أرض عالم الشهادة عن الجنة التي هي موطنه وموطن أبيه المقدس ، لجناية صدرت أولا عن أبيه .
وكما ينحدر من معارف القلب آثار إلى البدن ، فكذلك يرتفع من أحوال الجوارح أنوار إلى القلب ولذلك أمر بالصلاة مع انّها حركات للجوارح وهي من عالم الشهادة .
وبهذا الوجه جعلها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من الدنيا
فقال « 1 » : أحببت من دنياكم ثلثا - الحديث . وعدّ الصلاة من جملتها .
ومن هاهنا قد شممت شيئا يسيرا من أسرار الطهارة والصلاة وسائر العبادات ، وإذا تقرّر هذا عندك وعلمت بمثل هذا التقسيم في جميع العبادات واتّضح لك وتاكّد عندك حسبما قدمنا إليك إنّ الصلاة منقسمة إلى رياضيّ جسمانيّ وإلى حقيقيّ روحانىّ ، فاعلم إنّ نفوس الإنسان متفاوتة بحسب آثار القوى والأرواح والدواعي المتركبّة فيها ، فمن غلب عليه الروح الطبيعي والحيواني ، فإنّه عاشق [ البدن ] يحبّ نظامه وتزيينه وتعظيمه وأكله وشربه ولبسه وطالب جذب منفعته ودفع مضرّته ، فهذا الطالب من عداد الحيوانات وزمرة البهائم . فأيّامه مستغرقة باهتمام بدنه ، وأوقات عمره
هامش
( 1 ) جاء في الخصال ( باب الثلاث : 165 ) والمسند ( 3 / 182 و 199 ) : بلفظ :
حبب . . .