مكاشفة أخرى في لمّية وجوب الصلاتين القلبيّة والقالبيّة
إن اللّه قد بعث النبيّين معلمين بالكتاب والحكمة ، واضعين من قبل اللّه للشريعة والملّة مقيمين للعدل والقسط لقوله :
وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
فوضعوا للناس النواميس الإلهيّة ليخرجوهم عن حضيض البرزخ الظلماني 264 ويبلّغوهم إلى أوج العالم النوراني لينخرطوا في سلك الملائكة المقرّبين ، وينغمسوا في جوار القدس مع الأنبياء والصدّيقين رحمة من اللّه وفضلا ونعمة منه .
فشرع كلّ منهم بإذن اللّه لامّته حسب ما أعطته العناية الإلهيّة ، واقتضته الرحمة الأزليّة في ذلك الوقت والزمان من الأعمال القلبيّة والبدنيّة ، ما يكمل به قوّتاهم العلميّة والعمليّة بحسب طاقتهم .
ولمّا كانت الحكمة المحمديّة - على مقيمها وآله أفضل المحامد العليّة - حكمة فردة لأنه أكمل موجود في هذا النوع الإنساني بل هو أكمل الممكنات علويّها وسفليّها روحانيّها وجسمانيّها ، وكان تأثير قوّة نبوّته في تكميل أرواح امّته أبلغ وأتمّ كمالا وأقوم وحكمته أحكم وكتابه وشريعته أبلغ وأعمّ ، كانت امّته خير الأمم وأعدلها وأشرف الفرق وأكملها كما قال تعالى
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
[ 3 / 110 ] .
وإليه
أشار صلّى اللّه عليه وآله : بعثت لاتمّم مكارم الأخلاق . « 1 » وبقوله : علماء امّتي كأنبياء بني إسرائيل « 2 » .
هامش
( 1 ) روى الحديث بألفاظ مختلفة ، راجع المسند 2 / 381 . الموطأ : باب ما جاء في حسن الخلق : 3 / 97 .
( 2 ) في جامع الأخبار ( باب العلم ) : علماء أمتي كسائر الأنبياء قبلي .