شهوة ولا من لوازم الطبيعة قوّة ولا من الدواهي النفسانيّة بقيّة .
فناجى ربّه بقلبه وروحه عند طرح قالبه وبدنه في آخر منازل الجسميّة ، فقال كما
روي عنه صلّى اللّه عليه وآله : إنّي وجدت لذّة غريبة في ليلتي هذه فاعطني يا ربّ هذى ويسرّ علىّ طريقا يوصلني كلّ وقت إلى لذّتى ، فأمره اللّه بالصلاة فقال : يا محمد المصلّى مناج ربه .
ولا يخفى على العاقل المتأمّل انّ مناجاة اللّه لا يكون بالأعضاء البدنيّة ، ولا بالألسن الجسمانيّة لأن هذه المكالمة إنما يصلح لمن يحويه مكان ويقترن به حركة وزمان ، أما الواحد المقدّس الخارج عن عالم المحسوس والحسّ الذي لا يحيط به مكان ولا يحويه زمان ولا يعتريه تجدّد وتغيّر ولا يشار إليه بجهة من الجهات ولا يختلف حكمه في صفة من الصفات ، فكيف يعاينه الإنسان المشكّل المجسّم المحدود بجسمه ، المقيّد المحصور بحسب قوله وفعله وشعوره وحسّه ؟
وكيف يناجي في هذا العالم المركّب الخروب من لا يعرف حدود جهاته ولا يرى جناب صفاته ؟
فإنّ الوجود المطلق عن عالم المثل والمحسوسات ، بل المرتفع عن إمكان الأرواح والعقليّات ، غائب عن الحواسّ ، غير مشار إليه بالأخماس ولا يدرك بالألماس ، ومن عادة الجسم والجسمي أن لا يناجي ولا يجالس إلا من يراه بالبصر ، ويحسّ بالحس ويدركه بإحدى الخمس . وإذا لم ينظر إليه ولم يشاهده يعده غائبا ويكون بفقده عن المشاعر خائبا .
فمن كان خارجا عن هذا الباب مقدّسا عن طرفي هذا النفي والإثبات جميعا ، وعن المداخلة والمزايلة رفيعا ، فمناجاته بإحدى الظواهر والآلات أمحل المحالات وأفحش الخرافات الموهومات .
فاذن قوله : « المصلّي مناج ربه » ، محمول على عرفان النفوس العرّافة العلّامة
تفسير القرآن الكريم — صفحة 283
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٨٣