تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
العقل عن طاعة الهوى والشيطان بنور طاعة الحقّ بالايمان .

مكاشفة أخرى في لمّية وجوب الصلاة مطلقا من بين العبادات على عامّة الناس بوجه عقلي

لمّا علم الشارع انّ جميع أفراد الإنسان لا يرتفعون عن حضيض البشريّة ولا يرتقون في مدارج العقل إلى درجة الملكيّة بحسب المعرفة والإخلاص ، فلا جرم سوّى لهم رياضة بدنيّة وساسهم سياسة تكليفية تخالف أهوائهم الطبيعيّة ، وحافظ لهم الصورة الإنسانيّة وراعى فيهم حكاية النسك العقليّة ، وهيكل العبادات الملكيّة . فمهدّ لهم قاعدة في الأذكار والأوراد ، وألزمهم ترك النسيان بتكرير الأعداد وهي في الوجوب أعمّ وفي الحسّ أعظم ، ليرتبط بظواهر أشخاص الإنسان ، ويمنعهم عن التشبّه بسائر أفراد الحيوان وأقرّ بهذا الهيكل الظاهر على كلّ بالغ عاقل فقال صلّى اللّه عليه وآله « 1 » : صلّوا كما رأيتموني . ولو قال : صلّوا كصلاتي . فمن الذي صلّى مثل صلاته ؟ لأنّه كان يصلّى وبصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء وكان في صلاته يرى من خلفه 262 . فقد ظهر إنّ في صلاة القالب مصلحة كثيرة لا تخفى على اللبيب العاقل ، ولا يقربه لسان الجاهل العاذل . وهذا المعنى من الصلاة قد كانت واجبة على الأمم السابقة على أعداد أكثر من أعداد صلاتنا لعموم جدواها 263 ، وكانوا مكلّفين باعمال جسمانيّة كثيرة المشقّة لغلبة القسوة والجسمانيّة عليهم ، وقلّة ظهور آثار الملكوتيّين منهم . وشريعتنا المحمديّة - على الصادع بها وآله خير الصلاة والتحيّة - أقلّ تكليفا وأكثر منفعة لصفاء القوابل ولطافة القلوب ورقّة الحجاب في امّته بحمد اللّه ، ولذلك قال « 2 » : بعثت بالشريعة السهلة السمحاء .
هامش
( 1 ) البخاري : باب ما جاء في إجازة الخبر الواحد : 9 / 107 . ( 2 ) في المسند ( 5 / 266 ) : بعثت بالحنيفية السمحة .