تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
فالأول إكماله ، والثاني إدامته ، والثالث تأكيده ، والرابع تحصيل شيء منه ، فالأولى حمل الكلام على ما هو أكمل في الثناء وأشهر وأقرب إلى الحقيقة ، وأقيد لما هو المقصود بالذات . وهو الحمل على إدامتها من غير خلل في أركانها وشرائطها ، ولهذا يوصف البارئ بأنّه قائم وقيّوم ، لأنّه يجب دوام وجوده للأشياء وإدامته للأرزاق . فمن أدام فعلها وراعى حدودها الظاهرة - من الفرائض والسنن - وحقوقها الباطنة من التوجّه إلى اللّه والعروج بقلبه إلى حضرة القدس والخشوع بين يديه ، لا كحال
الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ
[ 107 / 5 ] فهو حرىّ بالمدح والثناء العظيم والأجر الجسيم ، ولذلك ذكر اللّه تعالى في سياق المدح :
وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ
[ 4 / 162 ] وفي معرض : الذمّ
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ
[ 107 / 4 ] . وأما معنى الصلاة في أصل اللغة فقيل : إنها الدعاء ومنه الحديث « 1 » : إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب ، فإن كان صائما فليصلّ . أي فليدع له بالبركة والخير . وقيل : مشتقّ من الصلى وهي النار من قولهم : صليت العصا . إذا قوّمتها بالصلى ، فالمصلّي يسعى في تعديل ظاهره وباطنه مثل من يحاول تقويم الخشبة وإصلاحها بعرضها على النار . أقول : وهاهنا سرّ لطيف لا يمكنني ضبط عنان القلم عن كشفه ، وهو إنّ الإنسان في بداية الأمر في غاية الجمود والقساوة كالحجارة أو أشدّ قسوة منها ، لعدم المناسبة له إلى حضرة نور القدس ، وإنّما يلين جلده وقلبه لذكر اللّه على التدريج بواسطة تلطّف سرّه بالرياضات والتلطيفات ، وذوبان لحمه وشحمه بإذابة التكاليف الدينيّة والعقليّة ، حتى يبلغ إلى مقام يتسخّن كبده بحرارة الشوق والمحبّة ثم يشتعل زيت قلبه بنار التوبة
هامش
( 1 ) ترمذى : كتاب الصوم ، باب ما جاء في إجابة الصائم الدعوة : 3 / 150 .