فللإنسان أن يعلم من الغيوب ما عليه برهان بأن يهديه اللّه إليه بإقامة البراهين ، أو يلهمه عليه بنور الحدس الشديد . كيف ! وقد شاع عند العلماء أنّ الاستدلال بالشاهد على الغائب أحد أقسام الأدلّة .
وأما عن الثالث : فمنع أنّ لفظ « الغيب » لا يستعمل إلا فيما يجوز عليه الحضور ، أو لا ترى انّ المتكلمين يقولون هذا من باب إلحاق الغائب بالشاهد ، ويريدون بالغائب ذات اللّه وصفاته ؟
وعنه جواب آخر لا نسمح به لأنّه مما يشمئزّ عنه قلوب جماعة كاشمئزاز المزكوم من رائحة الورد فإن لاستشمام روائح رياحين العالم القدسي لا بدّ من أدمغة صافية عن مضارّ الأهوية الرديّة ، خالية عن عفونات أخلاط أهل الدنيا الدنيّة .
توجيهات نقلية « 1 » [ المراد من الغيب ]
قال بعض المفسرين : معنى « يؤمنون بالغيب » يصدّقون بجميع ما أوجبه اللّه تعالى أو ندب إليه أو أباحه . وقال الحسن : معناه : يصدّقون بالقيامة والجنّة والنار وعن ابن عبّاس :
بما جاء من عند اللّه . وعن ابن مسعود وجماعة من الصحابة : ما غاب عن العباد علمه وهذا أولى لعمومه . ويدخل ما رواه أصحابنا من زمان غيبة المهدي عليه السلام ووقت خروجه ، وأكّد كونه منتظرا بالقرآن والخبر :
أما القرآن
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
الآية [ 24 / 55 ] وأما الخبر
فقوله « 2 » : لو لم يبق من الدّنيا إلا يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج رجل من أهل بيتي يوافق اسمه اسمى وكنيته
هامش
( 1 ) الأقوال منقولة من مجمع البيان ( 1 / 38 ) مع إضافات .
( 2 ) راجع تخريج الحديث في ملحقات إحقاق الحق : 13 / 172 .