تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
والندامة ، ثمّ يتنوّر مصباح روحه بنور الايمان والمعرفة . وأصل الكلام وبناؤه على أنّ الموجودات متفاوتة في الوجود وكماليّته ، وللإنسان أن يسلك في سبيل اللّه ويتدرّج في الدرجات ويسير من أدنى منازل الوجود إلى أعلاه فيترقّى من أول منازل الموجودات الأرضيّة والمائيّة إلى آخر منازل الموجودات الهوائيّة والناريّة كالجنّ والشياطين ، ومنها يأخذ في سيره إلى منازل الموجودات النوريّة ، وهي مراتب الملكوت الأعلى فلا بدّ من وروده في سيره الباطني أولا إلى نشأة من نشئات النيران ، سواء كان في الدنيا أو في العقبى ، كما قال تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا
[ 19 / 71 ] . فإن ورد عليها في الدنيا ، فيقع الخلاص منها وإلّا فسوف يعذّب بها في العقبى ، ووروده على النار في الدنيا عبارة عن احتراق قلبه أولا بنار التوبة والندم ثمّ ذوبان جسمه بنار الرياضات والتكاليف الشاقّة ، ثمّ اشتعال ذهنه بنار الحركات الفكريّة والانتقالات النفسانيّة ، وهكذا حتّى يتجاوز من هذه المقامات بقوّة البرهان ونور الايمان ، إلى عالم الأنوار الملكوتيّة ويتخلّص عن عذاب النيران ويحل في منازل الجنان ومجاورة الرحمن كما قال تعالى
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
[ 19 / 71 ] . فإذا تقرّر هذا فلعمري إنّ الصلاة أشدّ العبادات تأثيرا في تسخين الباطن وتليين الجلود والقلوب لذكر اللّه وتذويب ذهب الخلاص في كورة الامتحان . لاشتمالها على نار الايمان والمعرفة ونار الخوف والخشية للقرب ، ونار التوبة والندامة ونار الفكر والرياضة النفسيّة والبدنية . و في الحديث « 1 » : كان يصلّي رسول اللّه وفي صدره أزيز ، كأزيز المرجل . وقيل : إنّ الصلاة عبارة عن الملازمة من قوله تعالى :
تَصْلى ناراً حامِيَةً
[ 88 / 4 ]
سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ
[ 111 / 3 ] وسمّي الفرس الثاني من أفراس
هامش
( 1 ) مسند : 4 / 25 و 26 . والأزيز ، صوت الرعد وصوت غليان القدر أيضا .