فالجواب بمنع ثبوت هذا الإجماع والحكم بإيمانه كما فعله حجة الإسلام الغزالي ، فإنّه منع من هذا الإجماع في الصورتين وحكم بكونه مؤمنا وأنّ الامتناع عن عن النطق يجري مجرى الأعمال التي يؤتى بها مع الايمان .
أقول : لا يخفى عليك بعد ما تقدّم من الكلام ، إنّ الايمان القلبيّ لكونه كما لا عقليّا وصورة باطنيّة ، لا يحصل إلا عقيب الأعمال الشرعيّة والأفعال الدينيّة والرياضات السمعيّة ، من القيام والصيام والعبادات والقربات ، وهذه الأمور منوطة بالتسليم والانقياد لمن عنده الحجج والبيّنات ، والإذعان والاعتراف بما أتى به القادة والرؤساء ، من أولى الشرائع والآيات .
فالصورة المفروضة ممّا لا يمكن وقوعها عقلا وعادة فلا يقدح في الإجماع ، بل نقول : الإجماع إنّما انعقدت على كفر من كلّف بالايمان وإظهاره فلم يقبل ولم يظهر الكلمة ، وهذا ممّا لا شبهة فيه ، فإنّه إمّا بصدد الجحود والفتنة في الدين وإفساد قاعدة المسلمين ، وإما بصدد الإباحة والتعطيل والخروج عن التكاليف الدينيّة ، فعلى أي الوجهين يكون كافرا ظاهرا أو باطنا .
تنوير عقلي
اعلم إنّ الحقيقي من الايمان ، هو الذي به يصير الإنسان إنسانا حقيقيّا عقليّا بعد ما كان إنسانا حيوانيّا ، وبه يخرج من القوّة إلى الفعل في الوجود البقائي الأخروي ويتخلّص عن ألم الجحيم والتعذّب بالنار ، ويتجرّد عن الرقّ والحدثان ، وتبدّل الجلود والذوبان كما قال تعالى في صفة أهل النار
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
[ 4 / 56 ] .
وهذه الحقيقة الايمانية يعبّر عنها بعبارات مختلفة ويسمّى بأسامي متعدّدة في لسان الشرع والعقل .