وصاحب المقام الرابع مؤمن بمعنى إنّه لم يحضر في شهوده غير الواحد القهّار مبدأ الأشياء وغايتها وأولها وآخرها وظاهرها وباطنها ، الذي إليه يرجع عواقب الأمور ، وبه ينقطع سير السائرين وسفر المسافرين ، وهذه المرتبة في الايمان هي الغاية القصوى التي لا حدّ لها ولا منتهى .
والتمثيل لمراتب الايمان والتوحيد بقشري الجوز ولبّيه على هذا الوجه ذكره صاحب كتاب إحياء العلوم بأدنى تغيير ثمّ قال « 1 » :
فالأول كالقشرة العليا من الجوز ، والثاني كالقشرة السفلى ، والثالث كاللبّ والرابع كالدهن المستخرج من اللبّ .
وكما إنّ القشرة العليا لا خير فيها ، بل إن أكل فهو مرّ المذاق ، وإن نظر إلى باطنه فهو كريه المنظر ، وإن اتّخذ حطبا أطفأ النار وأكثر الدخان ، وإن ترك في البيت ضيّق المكان ، فلا يصلح إلّا أن يترك مدّة على الجوز للصون ثمّ يرمى فكذلك التوحيد بمجرّد اللسان عديم الجدوى ، كثير الضرر ، مذموم الظاهر والباطن لكنّه ينفع مدّة في حفظ القشرة السفلى إلى وقت الموت والقشرة السفلى هي القالب « 2 » والبدن وتوحيد المنافق يصون بدنه عن سيف الغزاة ، فإنّهم لم يؤمروا بشقّ القلوب ، والسيف انما يسلب الجسم وهو القشر « 3 » ، وإنّما يتجرد عنه بالموت فلا يبقى لإيمانه فائدة بعده .
وكما انّ القشرة السفلى ظاهرة النفع بالإضافة إلى القشرة العليا فإنّها تصون اللبّ وتحرسه عن الفساد ، وعند الادّخار فإذا فصل أمكن أن ينتفع بها حطبا لكنها ناقص القدر بالإضافة إلى اللبّ فكذلك مجرد الإعتقاد من غير كشف كثير النفع بالإضافة إلى مجرّد نطق اللسان ناقص القدر بالإضافة إلى الكشف ، والمشاهدة التي تحصل بانشراح الصدر
هامش
( 1 ) احياء علوم الدين : كتاب التوحيد ( 4 / 246 ) بأدنى تغيير .
( 2 ) المصدر : القلب .
( 3 ) المصدر : والسيف انما يصيب جسم البدن ، وهو القشرة .