وفائدة إيمانه يرجع إليه في هذه النشأة ، إذ يحقن دمه من السيف والسنان ويعصم ما له وذراريه من النهب والسبي .
وصاحب المقام الثاني مؤمن بمعنى إنّه معتقد بقلبه مفهوم هذا اللفظ ، وقلبه خال عن التكذيب ، وهو عقد على القلب وليس فيه انشراح القلب لنور المعرفة ، ولا انفتاح روزنته لعالم الملكوت الغيبي المقابل لهذا العالم ، عالم الملك والشهادة .
وفائدته انّه يصير منشأ بعض الأعمال الصالحة ومبدأ بعض الخيرات وأداء الأمانات وفعل الحسنات ، التي ينجرّ تارة أخرى إلى إصلاح القلب وتصفيتها وليستعد لحصول المعرفة على وجه أكمل ، حتى ينتهى إلى الايمان الحقيقي .
فعلى هذا صحّ القول بأنّ الايمان هو المبدأ والغاية ، فإنّ الايمان والعمل الصالح كلّ منهما يدور على صاحبه ، فكلّ ايمان موجب لصالح من العمل وكل صالح من - العمل ينجرّ إلى حصول ضرب من الايمان ، فيدور كلّ منهما على نفسه دورا غير مستحيل ، لتغايره بالعدد .
لكن الايمان أول الأوائل في الحدوث ، وهو أيضا آخر الأواخر في البقاء .
ثمّ لهذا العقد الايماني الذي كلامنا فيه ، شبه وحيل يقصد بها تحليله وتوهينه تسمّى « بدعة » وله أيضا حيل يقصد بها دفع حيلة التحليل والتوهين ، ويقصد بها إحكام هذه العقدة وشدّها على قلوب المسلمين ويسمّى كلاما - والعالم بها متكلّما . وهو في مقابلة المبتدع ، ومقصده دفع المبتدع عن تحليل هذه العقدة عن قلوب العوام .
وصاحب المقام الثالث مؤمن ، بمعنى إنّه بصير بحقائق الأمور الايمانيّة بصيرة قلبيّة ومشاهدة عقليّة . إذ قد انكشفت له أسرار الملكوت وخفايا عالم الغيب والجبروت . لا انّه مكلّف بعقد قلبه على مفهوم هذه الألفاظ ، فإنّ ذلك رتبة العوام والمتكلّمين ، إذ لا يفارق المتكلّم العامي في أصل الاعتقاد ، بل في صنعة تلفيق الكلام الذي يدفع به حيل المبتدعة في تحليل هذه العقدة .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 256
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٥٦