فهناك مفرق الطريق بين ناظر يرى العالم مجموعة مجتمعة من الماهيّات المختلفة المستقلة كل واحد منها عن غيرها ، وبين فيلسوف يراه واحدا منسجما مرتبطا - بنظريه الدقيق والأدق - وأن اللّه نور السماوات والأرض .
ج - الحركة الجوهريّة :
جمهور الحكماء أذعنوا بوقوع الحركة في بعض المقولات العرضية ، إلا أنهم يتحاشون عن قبول الحركة في مقولة الجوهر ، لعويصات عمدتها شبهة عدم بقاء الموضوع .
« 31 » « والمتأخرّون من الحكماء كأبي علي ومن يحذو حذوه مصرّون غاية الإصرار على نفي هذه الاستحالة الجوهريّة . ولذلك قصّروا وعجزوا عن إثبات كثير من المقاصد الحقّة . . . » .
فمن أبرز ما جاء به صدر المتألهين الاعتقاد بالحركة الجوهريّة والجواب عن الشبهات الموجّهة إليها . وهذه القاعدة وان كانت ملهمة عن اعتقاد العرفاء بتجدّد الأمثال ، إلا أن تمايز القاعدتين غير خفيّة . على أنّ القول بتجدّد الأمثال أيضا لم يكن مبرهنا عليه من العرفاء .
فصدر المتألهين أول من أظهر القول بالحركة الجوهريّة ودافع عنها ، وبنى عليها حل مسائل عدّة .
« 32 » « والذي استخرجناه بقوّة مستفادة من الملكوت الأعلى - لا بمطالعة موروثات الحكماء - إنّ الحركة واقعة في الجوهر ، وإن طبائع الأجسام النوعيّة دائمة التجدد والتبدّل في ذاتها . . . » « إنه لا يمكن التصحيح بين الحكمة والشريعة في حدوث العالم وانه لا أول له إلا بهذه القاعدة » .
هامش
( 31 ) أسرار الآيات : 146 .
( 32 ) تعليقات حكمة الاشراق : 239 .