تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
فاعلم إنّ اللّه جعل للهواء الخارج من الصدر بعد نزوله إليه من القلب ثمانية وعشرين مقطعا للنفس يظهر في كلّ مقطع حرفا معيّنا ما هو عين الآخر ، ميّزه القطع مع كونه ليس غير النفس . فالعين واحدة من حيث إنّها نفس وكثيرة من حيث المقاطع ، وهي أمور عدميّة كما انّ امتياز الوجودات الخاصّة ليست بأمر زائد على حقيقة الوجود الانبساطي الفائض من الحق تعالى . بل امتيازها عنها وامتياز بعضها عن بعض ، ليس إلا من جهة مراتب النقصانات والتنزّلات اللازمة للمعلوليّة ، فليس التفاوت بينها إلّا من جهة الكمال والنقص والتقدّم والتأخّر والقرب والبعد من العلّة الأولى . فكذلك حال الحروف الصوتيّة الإنسانيّة المنقسمة إلى ثمانية وعشرين حرفا . لأن الكرسيّ وهو فلك المنازل - ومثاله الصدر فينا - منقسم باعتبار المنازل والأمكنة للسيّارات الفلكيّة - من الكواكب وأرواحها ونفوسها المتحرّكة بأمر اللّه المتردّدة على حسب ما حملها اللّه من أحكام الوحي والرسالة إلى خلقه - إلى ثمانية وعشرين منزلا . ولك أن تستشكل هذا بما قد ورد في الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : إنّ المنزل عليه تسعة وعشرون حرفا ، وما أنزل اللّه على آدم إلّا تسعة وعشرين حرفا ، وإنّ لام ألف حرف واحد قد أنزله اللّه عزّ وجل على آدم في صحيفة واحدة ومعه ألف ملك ، ومن كذب ولم يؤمن به فقد كفر بما أنزل اللّه على محمد صلّى اللّه عليه وآله ومن لم يؤمن بالحروف - وهي تسعة وعشرون - فلا يخرج من النار أبدا . فاعلم إنّ هذا غير مناقض لما ذكرنا من كون الحروف ثمانية وعشرين فإنّ الألف اللينة ليس كسائر الحروف متعيّنة بتعيّن خاصّ وحيّز مخصوص ومخرج مشخّص ، بل هي بحقيقتها الهوائيّة سارية في جميع التعيّنات الحرفيّة ، فكأنّها ظلّ للوحدة الإلهيّة السارية في وحدات الأكوان الوجوديّة .