فخرجت الحروف من النفس الإنساني بل من النفس الإنسانية التي هي أكمل النشآت ، وبها وبنفسها ظهرت جميع الحروف لأنّها كانت على الصورة الإلهيّة بالنفس الرحماني لظهور حروف الكائنات وكلمات العالم التامّات سواء بسواء ، والكلمات التامّات للنفس الإلهي ثمان وعشرون كلمة وهي أجناس الموجودات ، فكان أجناس العالم منحصرة وهي لا تبيد ولا تنقضي أبدا وأشخاصا لا تتناهى مدّة وعدّة لأنّها معلومات اللّه ، ومعلوماته لا تنقضي ولا تتناهى ولأنّها تحدث ما دام السبب موجودا والسبب لا ينقضي فايجاد أعداد النوع لا ينقضي ، كما يفصح عنه ، عن دوام الكلمات وحدوث أعدادها وتجدّدها قوله تعالى
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
[ 18 / 109 ] .
ثمّ اعلم إنّ نفس المتنفّس ليس غير باطن شخصه وجسمه وظاهر روحه وغيب غيوبه ، فصار النفس الإنسانيّة ظاهرة بالنفس المنبعث عن الباطن إلى الظاهر فيتعيّن بأعيان الحروف والكلمات .
فلم يكن الظاهر بأمر زائد على الباطن في عينه ، فاجعل هذا منهاجا ومقياسا لك في معرفة نسبة أعيان الموجودات والكلمات التامّات ، والحروف العاليات إلى النفس الرحماني والفيض الوجودي ، المنبعث عن باطن الحق وغيب غيوبه إلى ظاهر عالم الغيب والشهادة ، واستعداد المخارج لتعيين هذه الحروف السافلات والكمالات الناقصات في النفس الانساني البشري على قياس استعداد الأعيان الثابتة ومهيّات الأشياء للتعيّنات الوجوديّة للحروف العاليات 228 والكلمات التامّات في النفس الرحماني فظهر لك من هذا المقياس إنّ الإنسان الكامل على صورة ربّه 229 وبقيّة اللّه في أرضه وحجّة اللّه على خلقه فلهذا قال تعالى
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ 8 / 17 ]