في العمل من جميع الحروف فإنّ لها البدؤ ، وكلمة « هو » جمعت جميع قوى الحروف في عالم الكلمات ، فلهذا كانت الهويّة أعظم الأشياء . 225 وكذلك الإنسان آخر غاية النفس في الكلمات الإلهيّة ، وهي المفارقات وطبائع الأجناس والأنواع .
ففي الإنسان 226 قوّة كل موجود في العالم ، وله جميع المراتب .
ولهذا اختصّ وحده بالخلافة الإلهيّة وبكونه مخلوقا على الصورة فجمع بين الحقائق الإلهية ، وهي الأسماء وبين المراتب الكونيّة وهي الأجزاء فيظهر به ما لا يظهر بجزء جزء من العالم ولا بكلّ اسم اسم من الحقائق الإلهيّة .
فكان الإنسان أكمل الموجودات ، وبه انتهى النفس الرحماني ، والواو أكمل الحروف وبه انتهى النفس الإنساني ، وكلّ ما سوى الإنسان خلق إلّا الإنسان ( للإنسان - ن ) فإنّه خلق وحقّ .
فالإنسان الكامل هو على الحقيقة الحقّ المخلوق به ، أي المخلوق بسببه العالم ، وذلك لأنّه الغاية المطلوبة بالإيجاد المتقدّم عليها ولو لاه ما ظهر ما تقدّم عليه .
فكلّ غاية هو الأمر المخلوق بسببه ما تقدّم من أسباب ظهوره ، وهو الإنسان الكامل .
وإنّما قلنا : الكامل ، لأن اسم الإنسان قد يطلق على مثاله في عالم الشكل والصورة الشبيهة به ، كما تقول في زيد : إنّه إنسان ، وفي عمرو : إنّه إنسان وإن كان في أحدهما قد ظهرت الحقائق الإلهيّة وما ظهرت في الآخر ، فالآخر على الحقيقة حيوان في شكل إنسان ، كما أشبهت الكرة بالفلك في الاستدارة وأين كمال الفلك من كمال الكرة وأين مرتبة الإنسان الكامل المتحقّق بالحقائق الإلهيّة من المشكّل بصورته من جملة الحيوان ؟
ولهذا قال تعالى لنبيّه
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ 8 / 17 ]