ولولا سبق الرحمة الغضب كان الأمر أشدّ فكما ان حظّهم من النعيم أشدّ فكذا في الطرف الآخر 184 ، لكن في الدنيا لأن هذه النشأة هي الظاهرة بأحكام حضرة الإمكان المقتضية للنقائص والآلام ولذا
قال « 1 » : نحن معاشر الأنبياء أشدّ الناس بلاء في الدنيا .
ومن بعث رحمة للعالمين فدى بنفسه - في الأوقات الشديدة كالغزوات المقتضية عموم العقوبة لسلطنة الغضب - ضعفاء الخلق .
وكذا
نبّه على هذا السرّ صلّى اللّه عليه وآله أهل الذوق الأتمّ لما رأى جهنّم وهو في صلاة الكسوف يتّقى حرّها عن وجهه وثوبه ويتأخّر عن مكانه 185 ويتضرّع ويقول « 2 » : ألم تعدني يا ربّ إنّك لا تعذّبهم وأنا فيهم ؟ ألم ألم حتّى حجبت عنه فأفهم واغتنم .
186 وأهل النار إنّما يدخلونها بالجاذب والسائق والجاذب إلى النار المناسبة الواقعة بينها وبين أهلها ، والسائق لهم هو الشيطان ، كما إنّ الجاذب لأهل الجنّة إلى الجنّة المناسبة بينهما والسائق لهم الملك . فالوعد والوعيد كلاهما شاملان لكلّ العبيد وفيه سرّ
قوله صلى اللّه عليه وآله « 3 » : حفّت الجنّة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات .
بل الجنّة نفس المكاره عند من كره لقاء اللّه وكره اللّه لقائهم . والنار مبدأ الشهوات وصورتها الاخرويّة لمن يستحقّها وهي نعيمهم كما إنّ الجنة نعيم أهلها . ويملأ اللّه جهنّم بغضبه المشوب وقضائه ويملأ الجنّة برحمته المشوبة ورضاه فيعمّ رحمة الوجود ويبسط النعمة فيكون الخلق كما هم في الدنيا كلّ حزب بما لديهم فرحون لأنهم أفعاله الصادرة منه .
و
قد ورد في الخبر « 4 » إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال وهو صانع العالم وأوجده على
هامش
( 1 ) مضى ما يقرب منه آنفا .
( 2 ) راجع جامع الأصول : باب صلاة الكسوف : 7 / 119 .
( 3 ) مسلم : كتاب الجنة 17 / 165 . ورواه البخاري بلفظ : « حجبت . . . » كتاب الرقاق 8 / 127 .
( 4 ) المسند : 4 / 133 .