وآخر من بقي هم الذين ما عملوا خيرا قط لا من جهة الايمان ولا بإتيان مكارم الأخلاق غير انّ العناية سبقت لهم أن يكونوا من أهل تلك الدار ( وهم من أهل الدار الذين هم أهلها . فغلّقت الأبواب - ) « 1 » وأطبقت النار وقع اليأس من الخروج فحينئذ تعمّ الراحة لأهلها ( الرحمة - المصدر ) لأنّهم قد يئسوا من الخروج منها كما يئس الكفّار من أصحاب القبور .
وقد جعلهم على مزاج يصلح ساكن تلك الدار فلما يئسوا فرحوا فنعيمهم هذا القدر وهو أول نعيم يجدونه وحالهم فيها كما قدمنا بعد فراغ مدّة الشقاء ، انّهم يستعذبون العذاب فيزول الآلام ويصير العذاب عذبا كما يستحلى صاحب الجرب من يحكّه ، هذا ما أدّى إليه نظر صاحب المشرب الختمي والمقام الجمعي حيث ذكر بعد ما نقلناه من مكاشفاته فافهم نعيم كل دار تستعذبه إنشاء اللّه .
ألا ترى صدق ما قلناه
النار لا تزال متألّمة لما فيها من النقص وعدم الامتلاء حتّى يضع الجبّار قدمه فيها كما ورد في الحديث « 2 »
وهي إحدى تينك القدمين المذكورتين في الكرسي .
والأخرى التي مستقرّها الجنّة قوله
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ
والاسم « الربّ » مع هؤلاء و « الجبار » مع هؤلاء الآخرين . لأنها دار جلال وجبروت وهيبة والجنّة دار جمال وانس ومنزل إلهي لطيف وهما بإزاء القبضتان المذكورتان في الحديث القدسي « 3 » الواحدة لأهل النار ولا يبالي والآخرة لأهل الجنّة ولا يبالي لأن مآلهما إلى الرحمة الواسعة .
ولو كان الأمر كما يتوهّمه من لا علم له من عدم المبالاة ما وقع الأمر بالجرائم والحدود
هامش
( 1 ) كذا في المخطوطة وفي المصدر : « وبقي أهل هذه الدار الأخرى فيها فغلقت أبواب الدار . . . » وما نقله المصنف هنا وكتابه الاسفار الأربعة ( ج 9 ص 358 ) ملخص مما جاء في الباب الرابع والسبعون وثلاثمائة من الفتوحات المكية ( ج 3 ص 462 ) ولم نتعرض للفروق ، فراجع ان شئت فإنه أوضح مما في هنا .
( 2 ) الدر المنثور : 6 / 107
( 3 ) المسند : 5 / 68 و 239