تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
شاكلته كما قال :
كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
[ 17 / 84 ] فربّكم الغفور ذو الرّحمة فالعالم كلّه على غاية الجمال لأنّه مرآة الحق . ولهذا هام فيه العارفون وتحقّق بمحبّته المتحقّقون لأنه المنظور إليه في كل عين والمحبوب بكلّ محبّة والمعبود بكلّ عبادة والمقصود في الغيب والشهود وجميع العالم له مصلّ وحامد ومسبّح . فيتحوّلون لتحوّله في الأحكام والآثار وآخر صورة يتحوّل إليها في الحكم في عباده صورة الرضا فيتحوّل الحقّ في صورة النعيم فإن الرحيم والمعافي أول من رحم ويعفو وينعم على نفسه بإزالة ما كان فيه من الحرج والكرب والغضب على من أغضبه ، ثمّ سرى ذلك 187 في المغضوب عليه فمن فهم هذا فقد أمن من غضبه ولم يأمن من مكر اللّه ومن لم يفهم فسيعلم ويفهم فإنّ المآل إليه . هذا نظر البالغين من الرجال بنور الرياضة والمجاهدة إلى مقام الولاية والمحبّة والأحوال ، وأمّا الذي وردت به الأخبار وأعطاه 188 الايمان والعلم 189 إنّما هي أحوال تظهر ومقامات تتشخّص 190 ومعان تتجسّد ليعلم اللّه عباده معنى الاسم 191 الإلهى الظاهر وهو ما بدا من هذا كلّه والاسم الإلهي الباطن وهو هويّته وقد تسمّى لنا بهما . وأما قوله :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
[ 19 / 71 ] فإنّ الطريق إلى الجنّة عليها ، فلا بدّ من الورود . ولما تقرّرت هذه المكاشفات فنقول : لما خلق اللّه العرش وجعله محل استواء الرحمة الوجوديّة وأحديّة كلمة الايجاديّة التي هي قول « كن » وخلق الكرسي وانقسمت فيه الكلمة إلى أمرين : أمر وخلق ليخلق من كلّ شيء زوجين وظهرت الشفعيّة من الكرسي 192 بالفعل وكانت قبله بالقوّة ، وبحسب الوهم إذ كل ممكن زوج تركيبي كما قالته الحكماء وهما جهتا الإمكان والوجوب أو المهية والوجود أو الفقر والمحبّة باختلاف العبارات ، ليعلم إنّ الحق مستأثر بالأحديّة وإنّ الموجد الأول 193 وإن كان واحد العين 194 فله حكم نسبة