تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
سنن الاستقامة ومسلك الاعتدال ، المفرطين في الحقوق الإلهية 177 والمضيفين 178 إلى أنفسهم ما لا يستحقّونه . وغاية حظّهم من تلك الأحكام ما اتّصل لهم بشفاعة ظاهر الصورة الإنسانية 179 المحاكية لصورة الإنسان الحقيقي وشفاعة نسبة الجمعيّة والقدر المشترك الظاهر بعموم الرحمة الظاهرة الحكم في هذه الدار ، فلما جهلوا كنه الأمر فاغترّوا وادّعوا وأشركوا وأخطأوا في الإضافة فلا جرم استعدّوا بذلك الأحكام الغضب والانتقام فالحقّ يطالبهم بحقّه في القيمة . ولولا سبق الرحمة الغضب ما تأخّرت عقوبة من شأنه ما ذكرناه مع انّه ما ثمّ من سلم من الجور بالكليّة ، ولو لم يكن إلّا جورنا في ضمن أبينا آدم 180 حين مخالفته فلكلّ منّا نصيب من ذلك يجنى ثمرته عاجلا بالمحن وآجلا بحكم
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
[ 19 / 71 ] . وإلى عموم الجور وقعت الإشارة في قوله
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ
ولكن الرحمة العامّة أخّرت سلطنة الحكم العدل إلى يوم القيمة الذي هو يوم الكشف ويوم الفصل والقضاء فهناك يظهر الأمر تماما ولهذا قال : مالك يوم الدّين ، لأنّه يوم المجازات بالعدل الحقيقي والسرّ فيه إنّه لو ظهر الحكم العدل هاهنا ما جار أحد على أحد ولا تجاسر على ظلمه ولا افترى على اللّه وعلى غيره ولكان الناس امّة واحدة ، ولم يكمل مرتبة القبضتين وحكم القدمين ولا مظاهر الأسماء المتقابلة فأين إذا
كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً
[ 17 / 20 ] . أي : ممنوعا ، فالرحمة العامّة تستلزم العطاء الشامل [ ل ] كلّ شيء لا جرم وقع الأمر هكذا فحقّت الكلمة وعمّت النعمة وظهر حكم الغضب ثمّ غلبت الرحمة فلا يخلوا منها شيء من الممكنات كلّ منها على حسب حاله وقدر منزلته . فكما انّ رحمته تعالى شاملة واسعة لكلّ شيء فكذلك غضبه ، إلّا انّ جانب الرحمة