تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
يحبّ أحدهما واسمه جبرئيل وروح القدس وروح الأمين وهو عنده محبوب مطاع مكين ويبغض الآخر واسمه إبليس وهو اللعين المنظر إلى يوم الدين . ثمّ أحال الإرشاد والتعليم إلى جبرئيل فقال
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ
[ 16 / 102 ] وقال :
يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
[ 40 / 15 ] وقال :
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى
[ 53 / 5 - 6 ] وأحال الإغواء والإضلال على إبليس فقال : ليضلّهم عن سبيله « 1 » . والهداية : تبليغ العباد وسياقتهم إلى غاية الحكمة ، فانظر كيف نسبها إلى العبد الذي أحبّه . والإغواء : استيقافهم دون بلوغ غاية الحكمة . فانظر كيف نسبه إلى العبد الذي غضب عليه مع انّه لا فاعل ولا حاكم إلّا هو كما قال :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
[ 91 / 7 - 8 ] وهذا محض العدل وحسن الترتيب في النظام . ولهذا الأمر يوجد لك في الشاهد مثال فالملك إذا كان له عبدان ويريد أن يسقيه أحدهما ويكنس الآخر فناء منزله عن القاذورات ، لا يفوّض سقي الشراب الطيّب إلّا إلى أحسنهما وأطيبهما منظرا وأحبهما إليه ، ولا يعيّن للكنس إلّا أقبحهما صورة وأخسّهما ولا ينبغي لك أن تقول : هذا فعلي ، فلم يكن فعله على مذاق فعلي فإنّك أخطأت إذا أضفت ذلك إلى نفسك بل هو الذي صرفك وداعيتك لتخصيص الفعل المكروه بالشخص المكروه . والفعل الحسن بالشخص المحبوب إتماما للعدل ، فإنّ عدله تارة يتمّ بما لا مدخل لك فيها . وتارة يتمّ فيك أو بما لك فيه مدخل فإنّك أيضا من أفعاله . فداعيتك وعلمك وقدرتك وسائر أسباب حركتك في التعيين هو فعله الذي رتّبه بالعدل والحكمة ترتيبا يصدر منه الأفعال المعتدلة إلّا انّك لا ترى إلّا نفسك ، فتظنّ إنّ ما يظهر عليك في عالم الشهادة ليس له سبب من عالم الغيب والملكوت فلذلك تضيفه إلى نفسك .
هامش
( 1 ) ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا [ 4 / 60 ] .