وإنّما أنت مثل الصبيّ الذي ينظر ليلا إلى لعب المشعبذ الذي يخرج صورا من وراء حجاب يرقّص ويزعق ويقوم ويقعد فيتعجّب لظنّه إنّ هذه الأفعال إنّما يصدر من تلك الصور ولم يعلم إنّها لا تتحرّك بأنفسها وإنّما يتحركها خيوط شعريّة دقيقة لا يظهر في ظلام الليل ، ورءوسها في يد المشعبذ وهو محتجب عن الصبيان فيفرحون ويتعجّبون .
وأما العقلاء فإنّهم يعلمون إنّ ذلك يحرّك وليس يتحرّك ولكنّهم ربما لم يعلموا تفصيله والذي يعلم بعض تفصيله لا يعلمه كما يعلم المشعبذ الذي الأمر إليه والجاذبة بيديه . فكذلك صبيان الدنيا ، والخلق كلّهم صبيان إلّا العلماء إلّا إنّهم لا يعرفون كيفيّة التحريك وهم الأكثرون إلّا الراسخون في العلم ، فإنّهم أدركوا بحدّة أبصارهم خيوطا ورباطات دقيقة معلقة من السماء متشبّثة الأطراف بأشخاص أهل الأرض لا تدرك تلك الخيوط لدقّتها بهذه الأنظار الظاهرة ، ثمّ شاهدوا رؤوس تلك الخيوط في مناطات لها هي معلّقة منها ولها أيضا مقابض وعرى هي في أيدي الملائكة المحرّكين للسموات ، وشاهدوا أبصار ملائكة السماوات مصروفة إلى حملة العرش ينتظرون منهم ما ينزل إليهم من الأمر من حضرة الربوبيّة كي لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون [ ما يؤمرون ] .
وعبّر عن هذه المكاشفات في القرآن :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
[ 51 / 22 ] وعبّر عن انتظار الملائكة لما نزل إليهم من الأمر والقدرة بقوله تعالى :
خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً
[ 65 / 12 ] .
مكاشفة أخرى [ مظاهر الرحمة والغضب ]
إنّ للّه مع تقدّس ذاته وتنزّه صفاته عن الأجزاء والأعضاء ، يدين مقدّستين كلتاهما يمين 175 اللّه وهما في الأفعال العالية بإزاء الصفتين المتقابلتين كالرحمة والغضب والرضاء