تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
طلبه قريب من سبعة آلاف صانع ، كلّ صانع أصل من أصول الصنائع التي بها تتمّ مصلحة الخلق ، ثم تأمّل في كثرة أعمال الإنسان في تلك الآلات . حتّى أن الإبرة الصغيرة التي فائدتها خيط اللباس الذي يمنع عنك البرد لا يكمل صورتها إلّا بعد أن يمرّ على يد الإبريّ خمسة وعشرين مرّة . ثم اعلم إنّ هؤلاء الصنّاع لو تفرّقت آراؤهم وتنافروا تنافر طباع الوحش وتبدّدها بحيث لا يحويهم مكان واحد ولا يجمعهم غرض واحد ، فانظر كيف ألّف اللّه بين قلوبهم ، فلأجل الإلف وتعارف الأرواح اجتمعوا وائتلفوا وبنوا البلدان والمدن ورتّبوا المساكن والدور والأسواق والخانات وما أشبهها مما يطول شرحه . ثمّ هذه المحبّة تزول بأغراض يزاحمون عليها ويتنافسون فيها حتّى ينجرّ إلى الحسد والغيظ ، وذلك يؤدّى إلى التقابل والتفاسد ، فانظر كيف سلّط اللّه عليهم السلاطين وأيّدهم بالقوّة والشوكة والعدّة والأسباب وألقى رعبهم في قلوب الرعايا حتّى أذعنوا لها طوعا وكرها ، وكيف هدى اللّه السلاطين إلى طريق إصلاح البلاد حتّى رتّبوا أجزاء المدينة كأنّها أجزاء شخص واحد يتعاون تلك الأجزاء على غرض واحد يتبع البعض منها بالبعض ورتّبوا الرؤساء والقضاة والحكّام وزعماء الأسواق واضطرّوا الخلق إلى قانون العدل وألزموهم للتساعد والتعاون بذلك القانون . فانظر كيف بعث الأنبياء حتّى أصلحوا السلاطين المصلحين للرعايا وعرّفوهم قوانين الشرع في حفظ العدل بين الخلق وقوانين السياسة في ضبطهم وكشفوا من أحكام الإمامة والإمارة وأحكام الفقه والقضا ما اهتدوا به إلى إصلاح الدنيا فضلا مما أرشدوهم إليه من إصلاح الدين . فانظر كيف أصلح اللّه الأنبياء بالملائكة وكيف أصلح الملائكة بعضهم ببعض إلى أن ينتهي إلى الملك المقرّب الذي لا واسطة بينه وبين اللّه فينتهي إلى حضرة الربوبيّة