مقدّم الدماغ كصاحب القصص والكتب للملك فيأخذها وهي مختومة إذ ليس له إلّا أخذها وحفظها وأما حقائق ما فيها فلا . ولكن الملك يسلم إليه هذه الانهاآت مختومة فيفتحها ويطلّع منها على أسرار المملكة ويحكم فيها بأحكام عجيبة لا يمكن استقصاؤها في هذا المقام وبحسب ما يلوح له يحرك الجنود .
فهذه سياقة نعمة اللّه عليك في الإدراكات ولا يمكن استيفاؤها وما يتوقّف عليها من الأسباب فإنّ الحواسّ الظاهرة بعض المدارك والبصر واحد من جملتها والعين آلة واحدة لها وقد ركّبت على عشر طبقات مختلفة بعضها رطوبات وبعضها أغشية وبعض تلك الأغشية كأنّها نسج العنكبوت وبعضها كالمشيمة وبعض تلك الرطوبات كبياض البيض وبعضها كأنه الجمد ولكل منها صفة وصورة وهيئة وشكل وتدوير ، ولكل منها أمساح وأجزاء وقوى وكيفيات لكل منها أحكام من الصحّة والمرض والسلامة والآفة لا يعلمها إلّا اللّه .
ولو اختلّت طبقة واحدة بل شيء من أسبابها لاختلّ البصر وعجز عنه الأطباء والكحّالون .
وقد صنّف في تشريح العين مجلدات كثيرة مع انّ حجمها لا يزيد على جوزة صغيرة وأعجب من هذا دخول الأفلاك وطبقاتها وما تحويه من جملة العناصر في هذه الجوزة الصغيرة من غير أن يتضايق ولا يتصاغر ذلك الكبير ويتعاظم هذا الصغير ، وقس بما ذكر حاسّة السمع وسائر الحواسّ الظاهرة ولا نسبة لها في الصنع والحكمة إلى الحواسّ الباطنة كما لا نسبة للباطنة إلى العقل الذي هو وراء كلّها .
فهذه نعم اللّه في أسباب الإدراك فقس عليها حال نعم اللّه في خلق أسباب التحريك الذي هو قرين الإدراك في كلّ نفس كما قال تعالى
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ
فالسائق هو مبدأ مبادي الإدراك والشهيد هو مبدأ مبادي التحريك . فإنّك بعد خلق