فافتقرت إلى حسّ تدرك به ما بعد عنك فخلق اللّه فيك حسّ الشمّ إلّا انّك تدرك بها الرائحة ولا تدرى انّها جاءت من أيّ ناحية ، فتحتاج إلى أن تطوف كثيرا من الجوانب ، فخلق لك البصر لتدرك ما بعد عنك وجهته معا فتقصده ولا تدرك بها ما وراء الجدران والحجب ، فخلق لك السمع حتّى تدرك بها الأصوات من وراء الجدار عند جريان الحركات ولأنّك لا تدرك بالبصر إلّا موجودا حاضرا وأمّا الغائب فلا يمكنك معرفته إلّا بكلام ينتظم من حروف وأصوات ، فأنعم اللّه عليك بهذه الحاسّة وميّزك بفهم الكلام عن سائر الحيوانات .
وكلّ ذلك ما كان يغنيك لو لم يكن لك حسّ الذوق لتدرك أنّ غذائك موافق لك أو مخالف فتأكله فتهلك . ثمّ هذه كلّها لا يكفيك لو لم يخلق في مقدّم دماغك حسّ آخر يجتمع عنده مدركات هذه الخمس فتحتاج إلى هذا الحسّ وإلى الحافظة ليحفظ عندك صورة ما ادّخرته من الغذاء إلى وقت الحاجة وإلى مدرك للمعاني المتعلّقة بأفراد نوعك وجنسك التي تحتاج إلى صداقتها ودفع عداوتها في تحصيل الغذاء الذي يحصل لك بالصناعة لا بالطبيعة ، وإلى حافظ لها وإلى متصرّف فيها وفي الصور المخزونة بالتفصيل والتركيب والاستحضار وهذه كلّها تشاركك فيها الحيوانات .
فلو لم يكن لك إلّا هي لكنت ناقصا لعدم إدراكك عواقب الأمور فميّزك اللّه وأكرمك بصفة أخرى هي أشرف من الكلّ وهو العقل فتدرك مضرّة الأطعمة ومنفعتها الجلّية والخفيّة بحسب الحال والمآل جميعا .
وبه تدرك كيفيّة طبخ الأطعمة وإصلاحها وذلك أخسّ فوائد العقل وأقلّ الحكمة في إنشائه بل الحكمة الكبرى فيه معرفة الله ومعرفة أفعاله ومعرفة الحكمة في عالمه .
وعند ذلك ينقلب فوائد الحواسّ في حقك إلى ما ينفعك في طلب الخير الأقصى فيكون الحواسّ الخمس كالجواسيس وأصحاب الأخبار والموكّلين بنواحي المملكة لاقتناص الأخبار المختلفة من الأقطار وتسليمها إلى الحسّ المشترك القاعد في سرير
تفسير القرآن الكريم — صفحة 137
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٣٧