تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
الإدراكات فيك لا يكفيك مشاهدة الطعام ، بل تفتقر إلى شهوة الأكل والميل إليه تستحثّك على الحركة والطلب . فخلق اللّه فيك شهوة الطعام وسلّطها عليك كالمتقاضي . ثمّ هذه الشهوة لو لم تسكن إذا أخذت مقدار الحاجة منك أهلكت نفسك . فخلق فيك الكراهة عند الشبع . ثمّ خلق فيك شهوة المجامعة لبقاء نوعك ودوام نسلك . وفي خلق أسباب التوليد من الأنثيين والرحم ودم الحيض والمني والمجاري والعروق والأوعية وكيفيّة توليد النطفة وتشكّلها وكيفية إدارتها في أطوار الخلقة إلى تمام الأعضاء ، من العجائب ما لا يحصى . ثمّ الشهوة والغضب لا يدعوان الا إلى ما ينفع ويضرّ في الحال وهما لا يكفيانك ، فميّزك اللّه من الحيوانات بقوّة أخرى هي الإرادة العقليّة إكراما لك وإفرادا عن البهائم كما أفردك بمعرفة العواقب . ثمّ هذه القوى لا تكفيك فكم من زمن مدرك مشتاق إلى شيء بعيد منه لا يقدر على المشي إليه . فخلق لك قدرة على المشي والطلب لمشتهياتك ، وآلات معينة عليهما وعلى الدفع والهرب لما يمنعك وعما يضادّك ، وتلك الآلات بعضها طبيعيّة كالأعضاء وبعضها خارجيّة كالأسلحة والمراكب والدوابّ والفنّ وآلات الزرع ومباديها وأسبابها وفواعلها من الصنّاع والمصلحين وغير ذلك . وفي كل ذلك من نعم اللّه وحكمته ما لا يعدّ ولا يحصى فلتعتبر رغيفا واحدا ولتنظر ما تحتاج إليه حتّى يصلح للأكل من بعد إلقاء البذر إلى الأرض . فانظر إلى أعمال الصنّاع في إصلاح آلات الحراثة والطحن والخبز من نجّار وحداد وغيره وانظر إلى حاجة الحدّاد إلى الحديد والرصاص والنحاس وانظر كيف خلق اللّه الجبال والأحجار والمعادن فإن فتّشت علمت انّ رغيفا واحدا لا يستدير ما لم يعمل عليها أكثر من ألف صانع ابتداءها من الملك الذي يزجي السحاب لينزل الماء إلى آخر الأعمال من جهة الملائكة ، حتّى تنتهي النوبة إلى الإنسان ، فإذا استدير