تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
وللهدى ثلاث مراتب : الأولى معرفة طريق الخير والشرّ المشار إليه بقوله تعالى
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
[ 90 / 10 ] وقد أنعم اللّه به على كافّة الخلق بعضه بالعقل وبعضه على لسان الكتب والرسل ولذلك قال :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
[ 41 / 17 ] فأسباب الهدى هي الكتب والرسل وبصائر العقول وهي مبذولة للجميع ولهذا كلّفوا بتكليف واحد 161 وتساووا في أسباب سلوك طريق النجاة بهذه الهداية العامّة . المرتبة الثانية هي التي يمدّ اللّه بها العبد حالا بعد حال وهي ثمرة المجاهدة 162 163 حيث قال :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ 29 / 69 ] وهو المراد بقوله
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً
[ 47 / 17 ] . والمرتبة الثالثة وراء الثانية وهي النور الذي يشرق في عالم الولاية 164 بعد كمال المجاهدة فيهتدى بها إلى ما لا يهتدى إليه بالعقل الذي يحصل به التكليف وإمكان تعلّم العلوم ، وهو الهدى المطلق . وما عداه حجاب له ومقدمات وهو الذي شرّفه اللّه تعالى بتخصيص الإضافة إليه وإن كان الكلّ من جهته فقال :
قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى
[ 2 / 120 ] وهو المسمّى حيوة في قوله
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
[ 6 / 122 ] وبقوله :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
[ 39 / 22 ] . ووجه انحصار مراتب الهدى في الثلث انّ كلّ مقام من مقامات الايمان ومنزل من منازل السالكين ينتظم من أمور ثلاثة : أعمال وأحوال وأنوار أي هي معارف 165 ولا بدّ لكلّ منها من هداية 166 يخصّ به . وأما الرشد فيعنى به العناية الإلهيّة التي يعين الإنسان عند توجّهه إلى مقاصده فيقويه على ما فيه صلاحه ويفتّره عمّا فيه فساده ويكون ذلك من جانب الباطن كما قال تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ
[ 21 / 51 ] فالرشد عبارة