نعمة من النعم الواقعة في الرتبة المتاخّرة ولو أردنا أن نستقصى الأسباب التي بها تمّت هذه النعمة لم نقدر عليها لأنّ الأكل مثلا أحد أسباب الصحّة وهو متوقّف على أسباب غير محصورة بها يتمّ نعمة الأكل إذ لا يخفى انّ الأكل فعل وكل فعل من هذا العالم حركة إرادية وكل حركة إرادية لا بدّ لها من جسم متحرّك هو آلتها ولا بدّ لها من قدرة على الحركة ولا بدّ لها من إرادة والإرادة متوقّفة على العلم بالمراد والعلم صورة نفسانيّة ونقش باطنيّ لا بدّ لها من قابل ومنقوش به وهو لوح النفس ومن فاعل ناقش وهو ملك روحاني مستفيد من ملك فوقه وهكذا إلى مالك الملكوت .
ثمّ لا بدّ للأكل من مأكول وهو جسم مركب من أصول متخالفة الطبائع والأمكنة والأحوال ولا بدّ لها من أسباب يجمعها ويجبرها على الالتيام ويحفظها على مزاج يتهيّأ صورة التمام ولا بدّ لتلك الأصول من أمكنة يتكوّن فيها وجهات يتوجّه إليها عند خروجها وأزمنة يتحرّك فيها ولا بدّ للأمكنة والأزمنة الموجودة للأجسام المستقيمة الحركة من محدّد مطيف بها يتعيّن به جهات أمكنتها وحدود أزمنتها فيكون المحدد من جنس جملة الأجرام الاكريّة الدائمة الحركة إلى أن يشاء اللّه .
ولا بدّ لها من أسباب محرّكة على سبيل المباشرة والمزاولة ولأسبابها أسباب أخرى محرّكة على سبيل التشويق والامداد والعناية إذ ليست حركتها شهويّة أو غضبيّة ليكون حيوانيّة محضة ولا مجازفة أو وهميّة محضة طلبا لثناء أو حسن ذكر أو صيت أو نفعا للسافل بل حركة شوقيّة علويّة وخدمة إلهيّة وطاعة ربّانية فلها ملائكة يديرها وفوقها ملائكة أخرى يدبّرها ويشوّقها طلبا لبارى ، الكلّ وتشوّقا إليه وطاعة له على وجه يلزمها رشح الخير الدائم على الأدانى والأسافل .
ثمّ لا بدّ للمأكول من صانع يصلحه ، ولا بدّ من أسباب لإصلاحها ، من أرض ينبت فيها وهواء يصلح لها وحرارة تنضجها وماء يسقيها ، والماء لا يتحرّك بنفسه من مكانه كالبحر فلا بدّ لحركته من أسباب بعضها طبيعيّة عنصريّة وبعضها نفسانيّة فلكيّة وبعضها
تفسير القرآن الكريم — صفحة 133
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٣٣