أما النوع الأول . فيرجع حاصلها مع انشعاب أطرافها إلى الايمان والعدالة أما الايمان فهو العلم باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . وأما العدالة وهي حسن صورة الباطن 157 فعبارة عن تهذيب الأخلاق وتصفية القلب عن الرذائل وصرف القوى الشهويّة والغضبية والوهميّة فيما خلقت لأجله حتى يكون شجاعا لا متهوّرا ولا جبانا ويكون عفيفا لا فاجرا ولا خاملا ويكون حكيما لا مكارا ولا أبله . فالفضائل المختصّة بالنفس المقرّبة إلى اللّه علم مكاشفة وعلم معاملة وحسن خلق وحسن سياسة 158 . ولا يتمّ هذه النعمة في غالب الأمر إلّا بالنوع الثاني وهي الفضائل البدنيّة وهي أربعة : الصحّة ، والقوّة ، والجمال وطول العمر ولا يتهيّأ هذه الأمور البدنيّة إلا بالنوع الثالث وهي النعم الخارجة المطيفة بالبدن وهي أربعة : المال والأهل والجاه وكرم العشيرة ولا ينتفع بشيء من هذه الأسباب الخارجة البدنيّة إلّا بالنوع الرابع من النعم وهي أربعة : هداية اللّه ورشده وتسديده وتأييده .
فمجموع مجامع النعم ستّة عشر وهذه الجملة يحتاج البعض منها إلى الآخر إمّا حاجة ضروريّة أو نافعة ولو أخذنا في بيان الحاجة لطريق الآخرة إلى كلّ واحد واحد من الأقسام التي ذكرناها من النعم النفسية والبدنيّة والخارجة عنها كالمال والجاه والأهل والنسب ، لطال الكلام لكن أخفى النعم البدنية في كونها محتاجا إليها هو الجمال وأخفى النعم الخارجة في ذلك هو النسب فلنبيّن وجه الحاجة إليهما .
أما الجمال فلا يخفى نفعه في الدنيا فإنّ الطبائع من القبيح مستنفرة وحاجات الجميل أقرب إلى الإجابة وجاهه أوسع في الصدور وكلّ معين في الدنيا معين في الآخرة .
ولأن الجمال في الأكثر يدلّ على فضيلة النفس لأن نور النفس إذا تمّ اشراقه تأدّى إلى البدن 159 فالمنظر والمخبر كثيرا ما يتلازمان ولذلك عوّل أصحاب الفراسة في معرفة مكارم النفس على هيئات البدن وقالوا الوجه والعين مرآة الباطن . وقيل : الروح إن أشرق على الظاهر فصباحة وإن أشرق على الباطن ففصاحة .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 129
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٢٩