تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
عن هداية باعثة إلى جهة السعادة محرّكة للعبد إيّاها فهو بهذا الاعتبار أكمل من مجرّد الهداية إلى وجوه الأعمال وكم من مهتد غير رشيد فهي نعمة عظيمة . وأمّا التسديد 167 فهو توجيه حركاته إلى صوب المطلوب وتيسيرها عليه ليشتدّ في صوب الصواب في أسرع وقت فكما إنّ أصل الهداية لا يكفي بل لا بدّ من هداية محرّكة للداعية ، وهي الرشد . فكذا الرشد لا يكفى بل لا بدّ من تيسير الحركات بمساعدة الآلات حتّى يتّصل بما انبعثت الداعية إليه فالهداية محض التعريف والرشد هو تنبيه الداعية لتستيقظ وتتحرك والتسديد إعانة ونصرة بتحريك الأعضاء في صوب السداد . وأمّا التأييد فكأنه جامع للكلّ وهو عبارة عن تقوية أمره بالبصيرة من داخل وتقوية البطش ومساعدة الأسباب من خارج وهو المعنىّ بقوله تعالى
إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ
[ 5 / 110 ] . وتقرب منه العصمة وهي عبارة عن جوهر إلهي يسنح في الباطن يقوى به الإنسان على تحرّى الخير وتجنّب الشرّ حتّى يصير كمانع من باطنه غير محسوس وإيّاه عنى بقوله
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ
[ 12 / 24 ] . فهذه هي مجامع النعم ولن يستتبّ إلّا بما يخوّله اللّه من الفهم الثاقب والذهن الصافي والسمع الواعي والقلب البصير والطبع المتواضع والمعلّم الناصح والمال الزائد على ما يقصر من المهمات بقلّته القاصر عمّا يشغل عن الدين بكثرته والعزّ الذي يصونه عن سفه السفهاء وتسلّط الأعداء ويستدعى كلّ واحد من هذه النعم الستة عشر أسبابا ويستدعي تلك الأسباب أسبابا وهكذا إلى أن ينتهي بالأخرة إلى مسبّب الأسباب وربّ الأرباب دليل المتحيّرين ملجأ المضطرّين . وإذا كانت تلك الأسباب متسلسلة طويلة لا يمكن الاستقصاء فيها فلنصرف عنان القلم عن ذكرها لخروجها عن الحصر والإحصاء ، فإنّ صحّة البدن من جملتها