القسمة الأولى : إن الأشياء كلّها بالإضافة إلينا على أربعة أقسام الضروري النافع والنافع الغير الضروري وعكسه والذي لا ضرورة فيه ولا نفع .
أما الأول فهو إما في الدنيا وهو كالنفس فإنه لو انقطع منك لحظة واحدة مات القلب وإما في الآخرة وهو معرفة اللّه فإنها إن زالت عن القلب المعنوي لحظة مات القلب واستوجب العذاب الأبدي .
وأما الثاني : فهو كالمال في الدنيا وسائر العلوم والمعارف في الآخرة .
وأما الثالث : فهو كالمضارّ التي لا بدّ منها كالموت والهرم والمرض ولا نظير لهذا القسم في الآخرة فإن منافع تلك الدار لا يلزمها شيء من المضارّ .
وأما الرابع : فهو كالفقر في الدنيا والجهل والعذاب في الآخرة .
إذا عرفت هذا التقسيم فنقول : أعظم نعم اللّه علينا الهداية بالمعرفة فإنّا قد ذكرنا إنّه كما انّ النفس في الدنيا ضروريّ نافع وبانقطاعه يموت القلب « 1 » فكذا المعرفة في الآخرة فلو زالت عن القلب لحظة لهلك لكن الموت الأول أسهل من الثاني لأنّه لا يتألّم فيه إلا ساعة واحدة وأما الموت الثاني فإنّه يبقى أبد الآباد . فأي نعمة أعظم وأشرف من نعمة الايمان .
ثمّ هاهنا دقيقة لا يخفى عليك انّه كما انّ التنفّس له أثران : إدخال النسيم الطيّب على القلب وإبقاء اعتداله وسلامته وإخراج الهواء الفاسد الردي الحارّ المحترق عن القلب ، كذلك الفكر له أثران أحدهما إيصال نسيم الحجّة وروح البرهان وبرد اليقين إلى القلب الحقيقي وإبقاء اعتدال الايمان والمعرفة عليه ، والثاني إخراج الأهوية الفاسدة والاعتقادات المؤلمة المتولّدة من نيران الشبهات عنه وما ذلك إلّا بأن يعرف أنّ هذه المحسوسات الدنيوية فانية منتهية إلى الفناء بعد وجودها فمن وقف على هذا علم إنّ أجلّ ما أنعمه اللّه على عبده تجريده عن المحسوسات وتنوير قلبه بالمعارف الإلهيات .
هامش
( 1 ) ن : يحصل الموت .