تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
الثانية : إنّ الأمور كلّها بالنسبة إلينا تنقسم إلى ما هو نافع في الدنيا والآخرة جميعا كالعلم وحسن الخلق وإلى ما هو ضارّ فيهما كالجهل وسوء الخلق ، وإلى ما ينفع في الحال ويضرّ في المآل كالتلذّد باتّباع الشهوات وإلى ما هو عكس ذلك كقمع الشهوات ومخالفة النفس . الثالثة : اعلم إنّ النعم والخيرات باعتبار آخر تنقسم إلى ما هي مؤثرة لذاتها وإلى ما هي مؤثرة لغيرها وإلى ما هي مؤثرة لذاتها ولغيرها . فالأول : كلذّة النظر إلى وجه اللّه وسعادة لقائه وبالجملة سعادة الآخرة التي لا انقضاء لها فإنّها لا يطلب ليتوصّل بها إلى غاية أخرى مقصودة ورائها بل تطلب لذاتها . والثاني : كالدراهم والدنانير إذ لا فائدة فيها إلّا كونها وسيلة لأمر آخر . الثالث : كالصحّة والسلامة فإنّها تقصد ليقدر بسببها على التفكّر والتذكّر الموصلين إلى لقاء اللّه وليتوصّل بها إلى لذّات الدنيا وتقصد أيضا لذاتها فإنّ الإنسان وإن استغنى عن المشي الذي يراد سلامة الرجل لأجله فيريد أيضا سلامة الرجل من حيث إنّها سلامة لأنها أمر وجودي بلا ضرر فيكون مطلوبا إذ الوجود الذي لا ضرر فيه خير محض مؤثر لذاته . فاذن المؤثر لذاته فقط هو الخير والنعمة تحقيقا وما يؤثر لذاته ولغيره فهو نعمة أيضا ولكن دون الأول إذ المؤثر لأجل أمر آخر لا يخلو من نقص لان ما لا نقص له أصلا لو أريد لشيء آخر - ولو بوجه - لكان ذلك الشيء خيرا منه من ذلك الوجه فلم يكن بريئا من كل نقص بكلّ وجه وقد فرضنا كذلك هذا خلف ، وأما ما لا يؤثر إلا لغيره كالنقدين فلا يوصفان في أنفسهما من حيث إنّهما جوهران بأنّهما نعمة بل من حيث هما وسيلتان وربما لا يكون وسيلة في حق بعض بل بلاء وآفة فلا يكون نعمة وكذلك أمور هذا العالم .