فيكون هذه الثانية طبيعة أصليّة والكلام فيها عائد من أنّ ما يكون عارضا غريبا لها يزول عنها بسرعة ، فعلم من هذا انّ أكثر أحوال الشيء الخير والسلامة والآفة والشرّ من النوادر الاتّفاقية .
وأمّا حديث الانتقام الإلهي بالغضب والعقوبات الدائمة للكفّار فسيأتي الكلام فيه في تحقيق قوله تعالى : غير المغضوب عليهم . ولنرجع إلى ما كنّا بصدده إنشاء اللّه .
مشاهدة إشراقية
اعلم إنّ الصراط الذي إذا سلكت عليه وثبّت اللّه عليك أقدامك حتّى ( كذا ) أوصلك إلى الجنّة صورة الهدى الذي أنشأته لنفسك في الدار الدنيا بما هداك اللّه من الأعمال القلبيّة والبدنيّة فهو في هذه الدار لا يشاهد له صورة حسيّة وأما في القيامة وعلى منظر أصحاب البصيرة الغالب عليهم شهود النشأة الآخرة ، فقد مدّ لك جسرا محسوسا على متن جهنّم أوله في الموقف وآخره على باب الجنة . كل من يشاهده يعرف إنّه صنعتك وبناؤك ويعلم إنّه قد كان في الدنيا جسرا ممدودا على متن جهنمك 147 من نار طبيعتك التي فيها ظلّ حقيقتك 148 ظلّ ذو ثلاث شعب غير ظليل لا يغنيها من اللهب بل هو الذي يقودها إلى لهب الشهوات ويضرم فيها نار النفس الحيوانية .
فالإنسان الكامل السالك إلى اللّه ، المهتدي بنوره ، يعجل بقيامته بإطفاء نار جحيمه بنور إيمانه ونار توبته في الموطن الذي ينفعه لقيامته ويقبل منه توبته وهو موطن الدنيا فإنّ بعد قيامة الدار الأخرى ، لا ينفع فيها عمل إذ لا تكليف فيها بعمل لأنّها موطن الجزاء .
والصراط قد علمت إنّه صراطان : صراط الوجود ، وصراط الايمان والتوحيد .
فالمشرك لا قدم له على صراط التوحيد وله قدم على صراط الوجود والمعطّل لا قدم له 149 على صراط الوجود أيضا .