وكذلك السعي والجدّ والتدبير والحذر مهيّئة لمطالبنا موصلة إيّانا إلى مقاصدنا مخرجة لكمالاتنا من القوّة إلى الفعل كما
قال صلّى اللّه عليه وآله « 1 » لمن سأله : هل يغنى الدواء والرقية من قدر اللّه ؟ فقال : « الدواء والرقية أيضا من قدر اللّه » .
ولمّا
قال صلّى اللّه عليه وآله « 2 » : « جفّ القلم بما هو كائن » . قيل : ففيم العمل ؟ فقال :
« اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له » .
و
لما سئل « 3 » : أنحن في أمر فرغ منه أو في أمر مستأنف ؟ فقال : « في أمر مفروغ منه وفي أمر مستأنف » .
فإن قلت : لما ذا وقع هذا التفاضل والتخالف في أصل الفطر والغرائز ولم يتساو في الشرف والخسّة ؟ فما بالنا كنّا مختلفين في الجواهر بحسب الصفاء والكدورة ولم نتشاكل في السعادة ولا نتعادل فصار السعيد مبرورا والشقيّ محروما ؟ وما سبب التفاوت في هذه القسمة من خزانة الغيب والزيادة والنقصان في النصيب من الرحمة الإلهيّة ؟
وما هذا الحيف والجور لنا ، وأين عدل اللّه فينا وكلّنا عبيده والمحتاجون إلى قسمته ورزقه وقد قال اللّه :
وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ 50 / 29 ] فنجيبك : يا أخا الطريقة - بعد ما زالت عنك الدهشة وآب إليك القرار ، ورجعت السكينة والوقار فلست أول من زلّ في هذا المقام واستنفر من هذا الكلام ثمّ رجع وتاب وآمن وأناب - بمثل ما قال الشاعر :
هون على بصري ما شقّ منظره * فإنّما يقظات العين كالحلم
أما كون الشريف شريفا والخسيس خسيسا فليس بجعل جاعل وتأثير مؤثّر
هامش
( 1 ) ابن ماجة : كتاب الطب : 2 / 1137 . الترمذي : كتاب القدر : باب 12 .
( 2 ) جاء ما يقرب منه في المسند : 1 / 293 . وابن ماجة : المقدمة ، باب 10 .
( 3 ) روى بألفاظ مختلفة ( راجع المعجم المفهرس : 5 / 122 ) ولكن ما وجدت جملة « وفي أمر مستأنف » .