ثمّ إنّ الدنيّ لا يتألّم من دنائته والخسيس لا يتضرّر من خسّته والجاهل جهلا بسيطا لا يتعذّب بجهله والعامي الأعمى البصيرة لا يشقى بعماه الأصلي لكون كلّ منها لم يغيّر ما هو عليه ليتألّم بفقد كماله ويتعذّب بضدّ حاله بل كلّ أحد يعشق ذاته ويحبّ نفسه وإن - كان خسيسا دنيّا .
وفي المثل السائر : غثّك خير من سمين غيرك ، فمن أساء عمله وأخطأ في اعتقاده ، فإنّما ظلم نفسه بظلمة جوهره وسوء استعداده . وكان أهلا للشقاوة ينادي على لسان الحال : مهلا فيداك أوكتا وفوك نفخ « 1 » ، وإنّما قصر استعداده وأظلم جوهره لعدم إمكان كونه أحسن مما وجد . كما لا يمكن أن يحصل من أعمى القلب البصيرة وأن يلد القرد إنسانا في أحسن صورة وأكمل سيرة
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
[ 11 / 118 ] وبالجملة تفاوت الخلق في الكمال والنقص والسعادة والشقاوة إمّا بأمور ذاتيّة جوهريّة وإمّا بأمور عارضة كسبيّة بواسطة الأعمال والأفعال . فالاختلاف بحسب الأمور الذاتيّة بمحض العناية الإلهيّة المقتضية لحسن الترتيب وفضيلة النظام وليس منشأ الإشكال أصلا كما علمت .
وإمّا بحسب العوارض اللاحقة فهي من اللوازم والتوابع الحاصلة بمصادمات الأسباب وكل آفة وشرّ يلحق الشيء بسبب أمر خارج اتّفاقي فليس مما يدوم عليه بل يزول بزوال سببه وسيعود الشيء إلى ما كان عليه أولا من طبيعته الأصليّة والأسباب الاتّفاقية غير دائمة ولا أكثريّة الوجود . اللّهم إلّا أن ينقلب طبيعة الشيء إلى طبيعة أخرى
هامش
( 1 ) مثل يضرب لمن يجنى على نفسه . قال الميداني ( مجمع الأمثال 2 / 414 ) :
« أصله ان رجلا كان في جزيرة من جزائر البحر فأراد أن يعبر على زق نفخ فيه ، فلم يحسن إحكامه ، حتى إذا توسط البحر خرجت منه الريح فغرق ، فلما غشيه الموت استغاث برجل ، فقال له : يداك أوكتا ، وفوك نفخ » .