فالأرواح الإنسية متفاوتة بحسب أصل الفطرة الأولى مختلفة في الصفاء والكدورة والضعف والقوّة مترتّبة في درجات القرب والبعد من اللّه تعالى والموادّ السفليّة الواقعة بإزائها متباينة في اللطافة والكثافة ومزاجاتها ، متفاوتة في القرب والبعد من الاعتدال الحقيقي فقابليّتها لما يتعلّق بها من الأرواح متفاوتة وقد قدر اللّه تعالى في القضاء السابق بإزاء كل روح ما يناسبه من الموادّ وبإزاء كلّ معنى ما يحاذيه من الصورة فألطف الموادّ والصور لأشرف الأرواح وأنوار النفوس .
وقد علمت سابقا إن تفاوت النفوس البشرية - المتخالفة 146 الحقائق - لتفاوت أصولها ومعادنها العقليّة ومفاتيح أبوابها الإلهيّة ومن أجلها ومن أجل تفاوتها في الإدراكات والإرادات والأشواق وقع الاختلاف بينها في الهداية والضلال والطاعة والعصيان والتوفيق والخذلان والسعادة والشقاوة وحسن العاقبة وسوئها والثواب والعقاب والجنّة والنار .
فإن قلت : ما الفائدة في التكليف بالطاعات والدعوة بالآيات والأمر والنهي والترغيب والترهيب إذا كان الجميع منتهية إلى قضاء اللّه وتقديره وما تأثير السعي والجهد والطاعة والعبادة ؟
قلنا : هذه الأمور من جملة الأشياء الواقعة بقضاء اللّه وقدره والأسباب المقدّرة التي جعلها اللّه تعالى مهيّجات للأشواق والإرادات ومحرّكات ودواعي إلى طلب الخيرات واكتساب الدرجات ومحرّضات على أعمال حسنة مورثة لعادات محمودة وأخلاق جميلة وملكات فاضلة مزكّية للنفوس منوّرة للقلوب مقرّبة إيّاها إلى اللّه نافعة في معاشنا ومعادنا يحسن بها حالنا في دنيانا ويحصل بها سعادة عقبانا ، أو محذّرات من الشرور والقبائح والذنوب والرذائل المكدّرة للنفوس المسوّدة للقلوب مما يضرّنا في العاجل ونشقي بها في الآجل .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 118
مساهمون: محمد خواجوى
ص١١٨