وحكى أنه كان في غار السودان عابد فأتى بعض الشباب بعود وكوز من الخمر ، فجلس بأعلى الغار من غير علم بالعابد ، فلما شرع في ضرب العود والسكر قرأ العابد :
« أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا . . . »
الآية ، فسمعه الشابّ ، فقال :
بلى ، آن ، وكسر العود والكوز ، وخرج فارّا بنفسه ، فتبعه العابد ، فعرضت له بركة السودان فمشى على الماء . قال العابد : فتبعته فغرقت . ولم أقدر على اتباعه ، فرفعت رأسي ؛ وقلت : إلهي لي على بابك أربعون سنة ، ولم أبل ما نال هذا في ساعة ، فسمعت هاتفا يقول : ذلك فضلى أوتيه من أشاء .
وأنت يا محمدىّ تتلوها كلّ ساعة ولا ترجع إلى ربك ! أهكذا شأن من يريد الرجوع إلى اللّه ! كلّا واللّه ، ليس ثمّ رجوع ولا ندم ، وإنما هو انهماك في المعاصي وقلة الخضوع ، إلهي لا التوبة تدوم لي ، ولا المعصية تنصرف عنى ، ولا أدرى بم يختم لي ، غير أنّ سابقة الحسنى أوجبت لي حسن الظنّ ، وقد قلت : أنا عند حسن ظنّ عبدي بي فليظنّ بي ما شاء ، فهب لي توبة منك باقية ، واصرف أرمة الشهوات عنى ، وامّح زينتها من قلبي بزينة الإيمان بجاه سيد الثقلين عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم ، ما اختلف الملوان .
(
« 1 »
وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ )
:
عطف :
« وَلا يَكُونُوا »
على
« أَنْ تَخْشَعَ »
« 1 » . ويحتمل أن يكون نهيا ، والمراد التحذير من أن يكون المؤمنون كأهل الكتب للتقدمة ، وهم اليهود والنصارى . في حرصهم على الدنيا وصرف همهم إليها ، فكم خوّفنا سبحانه ونهانا قولا وفعلا ؛ أدّب الملائكة بإبليس : بعد عبادة ثمانين ألف سنة ترك
هامش
( 1 ) الحديد : 16