نفوسهم وجسومهم ؛ وهم أرباب الفناء المتجردون عن كل المناقد ؛ تخلّصوا من رقّ البشرية لتحقّقهم أنه اللطيف الخبير السّميع البصير ، عاشوا عيشا تاما كاملا ، فإنّ ترك التدبير للّه عيش ، كما أن التدبير نصف العيش ، ويقال لهذا الوجه الأوتاد ، وهم أربعة رجال ، مقام كلّ واحد مقام ركن من الأركان : شرقا ، وغربا ، وجنوبا ، وشمالا ، واحدا يتصرف عندهم لتجريدك عن الكون وثبوتك بالحق . ومنه قول الشيخ القطب ابن العريف : من شهد الخلق للفعل لهم فقد فاز ، ومن شهدهم لا حياة لهم فقد جاز ، ومن شهدهم عين العدم فقد وصل ، والكلام هنا طويل ، وعلى هذه الآية الكريمة بنى التصوف ، وسبيل التعرف ، وقد صنّف فيها من ذاق أهلها وعرفهم تأليفا عجيبا ورتّبهم ترتيبا غريبا لا ينبغي لنا أن نحوم حول حماه ، ولا نتعرض لما قد تعاطاه ، [ 263 ب ] لأنا لسنا منهم فنستغفر اللّه من الكلام معهم ، وكان الأولى بنا اشتغالنا عن هذا بالانتباه من رقدة الغفلة ، وتخليصنا من ورطة الفترة ، وإيقاظنا من السّكرة ، لكن نسأله سبحانه أن يهب لنا نور التنبيه من ظلمة هذه النفس ، فيظهر لنا بمجيئها وقبيح ذنبها ، فنقلع في الحال ، ونعزم على ألّا نعود في الاستقبال ، ونبحث على ما خفى من دسائس النفس ، ونستعد للمنازلة في الرّمس « 1 » ، ونشمّر « 2 » للمعاملة في المحبة ، ونطلب ممن نظر في هذا الكتاب بالدعاء إلى العبادة ظاهرا وباطنا فإنما نحن به وله .
( سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ )
« 3 » : أصل الخرطوم أنف السبع ، ثم استعير للإنسان استخفافا به وتقبيحا له ؛ والمعنى نجعل له سمة ، وهي العلامة ، على خرطومه . واختلف في هذه السّمة ؛ فقيل : هي الضربة بالسيف يوم بدر . وقيل
هامش
( 1 ) الرمس : القبر .
( 2 ) نشمر : نجد .
( 3 ) القلم : 16