تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معترك الاقران في اعجاز القرآن — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
أرزاقنا ، وأغدقنا عليهم إنفاقنا ، لكنهم لم يفعلوا ما نحبّ ، فلذلك لم نفعل ما يحبون . وانظر كيف تكفّل اللّه سبحانه بالرزق لعباده تعريفا بوداده ، ولم يكن ذلك واجبا عليه ؛ بل أوجبه على نفسه إيجاب كرم وتفضّل ، كأنه يقول : أيها العبد ليست كفالتى ورزقي خاصّا بك ؛ بل كلّ دابة في الأرض أنا كافلها ورازقها ، وموصّل إليها قوتها ؛ فاعلم بذلك سعة كفالتى ، وغناء ربوبيّتى ، وأن شيئا لا يخرج عن إحاطتى ورعايتى ؛ فثق بي كفيلا ، واتخذني وكيلا ؛ فإذا رأيت ذكرى لأصناف الحيوان ، ورعايتى إياها ، وقيامي بحسن الكفالة لها وأنت أشرف هذا النوع ، فأنت أولى بأن تكون لكفالتى واثقا ، ولفضلى رامقا ؛ ألا تراني قلت « 1 » :
« وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ »
؛ أي على سائر أجناس الحيوان إذ دعوناهم إلى خدمتنا ، ووعدناهم دخول جنتنا ، وخطبناهم إلى حضرتنا ؛ ومما يوضّح لك كرامة الآدمي على غيره من المكونات أن المكونات مخلوقات من أجله ، وهو مخلوق من أجل حضرة اللّه ؛ فإذا علمت أن الأكوان مخلوقة من أجلك إمّا انتفاعا وإما اعتبارا ، وهو نفع أيضا ، فينبغي لك أن تعلم أن اللّه سبحانه إذا رزق من هو مخلوق من أجلك كيف لا يكون لك رازقا ، فاستحى منه أن تكون بعد ما كساك حلّة الإيمان ، وزيّنك بزينة العرفان ، أن تستولى عليك الغفلة والنسيان ، حتى تميل إلى الأكوان ، أو تطلب من غيره وجوه امتنان . وقد قال تعالى « 2 » :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ »
. ومن العقود التي عاقدته عليها ألّا ترفع حوائجك إلا إليه ، ولا تتوكل إلا عليه ؛ ولازم إقرارك له بالربوبية يوم :
« أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ! »
فرضيت به ربّا واحدا رازقا ، فكيف توحّده هنالك وتجهله
هامش
( 1 ) الإسراء : 70 ( 2 ) المائدة : 1