تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
ولما كان من الناس من أعمى اللّه قلبه فنسب أفعال المختارين من الخلق إليهم استقلالا ، قال اللّه تعالى معلّما : أنّ الكل بخلقه تأكيدا لما مضى من ذلك ومعيدا ذكر الاسم الأعظم :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا
بعد اختلافهم بالإيمان والكفر
وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ
فيوفق من يشاء فضلا منه ، ويخذل من يشاء عدلا منه ، والآية دليل على أنّ الأنبياء متفاوتة الأقدام ، وأنه يجوز تفضيل بعضهم على بعض ، ولكن بنصّ لأنّ اعتبار الظنّ فيما يتعلق بالعمل لا بالاعتقاد ، وأن الحوادث بيد اللّه لقوله تعالى :
يَفْعَلُ ما يُرِيدُ
تابعة لمشيئته تعالى خيرا كان أو شرّا إيمانا أو كفرا . ولما كان الاختلاف على الأنبياء سببا للجهاد ، الذي هو حظيرة الدين وكان عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعا إلى أوّل السورة من هنا إلى آخرها ، وأتى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدّم الحثّ عليه من أمر النفقة .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ
أي : مما أوجبت عليكم إنفاقه من الزكاة ، قاله السديّ وقال غيره أراد به صدقة التطوّع والنفقة في الخير ، أي : فلا تبخلوا بالإنفاق فإنه لا داء أدوأ من البخل . قال تعالى :
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[ الحشر ، 9 ] [ التغابن ، 16 ] وصرف الأمر بالتبعيض إلى الحلال الطيب يمنع احتجاج المعتزلة بها ، في أنّ الرزق لا يكون إلا حلالا ، لكونه مأمورا به . وأتبعه بما يرغب ويرهب من حلول يوم التناد الذي تنقطع فيه الأسباب التي أقامها سبحانه وتعالى في هذه الدار فقال :
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ
موصوف بأنه
لا بَيْعٌ فِيهِ
أي : فداء
وَلا خُلَّةٌ
أي : صداقة تنفع
وَلا شَفاعَةٌ
بغير إذنه والمعنى أنه لا يفدى فيه أسير بمال ولا يراعي الصداقة من مساو ، ولا الشفاعة من كبير ، لعدم إرادة اللّه تعالى لشيء من ذلك ولا يكون إلا ما يريد ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالنصب في بيع وخلة وشفاعة ، ولا تنوين على الأصل ، والباقون بالرفع والتنوين على أنها في تقدير جواب هل فيه بيع أو خلة أو شفاعة . ولما حثّ سبحانه وتعالى على الإنفاق ختم الآية بذمّ الكافرين ، بكونهم لم يتحلوا بهذه الصفة ، لتخليصهم من الإيمان وبعدهم منه وتكذيبهم بذلك اليوم ، فهم لا ينفقون لخوفه وإرهابه فقال بدل ولا نصرة لكافر
وَالْكافِرُونَ
أي : المعلوم كفرهم في ذلك اليوم
هُمُ
المختصون بأنهم
الظَّالِمُونَ
أي : الكاملون في الظلم لا غيرهم . وقوله سبحانه :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
مبتدأ وخبر والمعنى أنه المستحق للعبادة لا غير
الْحَيُّ
أي : الدائم البقاء
الْقَيُّومُ
أي : الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظهم
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ
وهي ما يتقدّم النوم من الفتور ، الذي يسمى النعاس ، قال ابن الرقاع العاملي « 1 » :
وسنان أقصده ( أي : أصابه ) النعاس فرنقت * في عينه سنة وليس بنائم
أي : لا يأخذه نعاس
وَلا نَوْمٌ
وهو حالة تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة ، بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس .
هامش
( 1 ) البيت من الكامل ، وهو لعدي بن الرقاع في ديوانه ص 100 ، ولسان العرب ( نعس ) ، ( رنق ) ، ( وسن ) ، وتاج العروس ( نعس ) ، ( رنق ) ، ( رسن ) ، وتهذيب اللغة 2 / 105 ، 13 / 78 ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 863 .