فإن قيل : تقديم السنة على النوم قياس المبالغة عكسه ، أجيب : بأنّ هذا ذكر ترتيب الوجود ، إذ وجود السنة سابق على وجود النوم ، فهو على طريقة لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، قصدا إلى الإحاطة والإحصاء ؛ ولأنه لمّا عبر بالأخذ الذي هو بمعنى القهر والغلبة وجب تقديم السنة كما لو قيل : فلان لا يغلبه أمير ولا سلطان ، وجملة لا تأخذه سنة ولا نوم نفي للتشبيه بينه وبين خلقه وتأكيد لكونه حيا قيوما فإن من أخذه نعاس أو نوم كان بآفة تخلّ بالحياة قاصرا في الحفظ والتدبير ، ولذلك ترك العاطف فيه .
وفي الجمل التي بعده من قوله :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
إلخ . . وقوله تعالى :
لَهُ
أي : بيده وفي تصرّفه واختصاصه
ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
أي : ملكا وخلقا تقرير لقيوميته ، واحتجاج على تفرّده في الألوهية ، والمراد بما فيهما ما وجد فيهما داخلا في حقيقتهما كالكواكب والنبات والمعادن ، وخارجا عنهما متمكنا منهما ، كالملائكة والإنس والجنّ .
وقوله تعالى :
مَنْ ذَا الَّذِي
أي : لا أحد
يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
له بيان لكبرياء شأنه وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه ، يستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة وتواضعا فضلا أن يدفعه عنادا ومخاصمة
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
في الخلق من أمر الدنيا
وَما خَلْفَهُمْ
أي : من أمر الآخرة قاله مجاهد ، وقال الكلبي : ما بين أيديهم يعني : الآخرة ؛ لأنهم يقدمون عليها وما خلفهم الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم وقيل : ما بين أيديهم ما قدّموا من خير وشرّ وما خلفهم ما هم فاعلوه
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ
أي : قليل ولا كثير
مِنْ عِلْمِهِ
أي : لا يعلمون شيئا من معلوماته
إِلَّا بِما شاءَ
أن يعلمهم به منها بإخبار الرسل
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
اختلف في الكرسي فقال الحسن :
هو العرش نفسه ، وقال أبو هريرة : هو موضع أمام العرش ، والأحاديث تدل عليه ، ومعنى وسع أنّ سعته مثل سعة السماوات والأرض ، وفي الأخبار أن السماوات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة .
ويروى عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنّ السماوات السبع في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس ، وقال علي ومقاتل : كل قائمة من الكرسي طولها مثل السماوات السبع والأرضين السبع ، وهو بين يدي العرش ، ويحمل الكرسي أربعة أملاك لكل ملك أربعة وجوه وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى مسيرة خمسمائة عام ، ملك على صورة أبي البشر آدم عليه الصلاة والسّلام ، وهو يسأل للآدميين الرزق والمطر من السنة إلى السنة ، وملك على صورة سيد الأنعام وهو الثور ، يسأل للأنعام الرزق من السنة إلى السنة ، وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل ، وملك على صورة سيد السباع ، وهو الأسد يسأل الرزق للسباع من السنة إلى السنة ، وملك على صورة سيد الطير وهو النسر ، يسأل للطير الرزق من السنة إلى السنة ، وفي بعض الأخبار أن ما بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعين حجابا من ظلمة وسبعين حجابا من نور ، غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام ، لولا ذلك لاحترقت حملة الكرسي من نور حملة العرش وقيل : المراد بالكرسي علمه ، وقيل : ملكه وقيل : تصوير لعظمته وتمثيل مجرّد
وَلا يَؤُدُهُ
أي : لا يثقله ولا يشق عليه
حِفْظُهُما
أي : السماوات والأرض
وَهُوَ الْعَلِيُّ
أي : الرفيع فوق خلقه المتعالي عن الأشباه والأنداد
الْعَظِيمُ
أي : الكبير الذي لا شيء أعظم منه ، المستحقر بالإضافة إليه كل ما سواه .
وهذه الآية تسمى آية الكرسي ، مشتملة على أمّهات المسائل الإلهية ، فإنها دالة على أنه