تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ
وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
دَرَجاتٍ
على غيره بعموم الدعوة وختم النبوّة به ، والأتباع الكثيرة في الأزمان الطويلة وبنسخ جميع الشرائع ، وبكونه رحمة للعالمين وبتفضيل أمته على سائر الأمم ، وبالمعجزات المتكاثرة المستمرّة ، وأظهرها القرآن الذي عجز أهل السماوات والأرض عن الإتيان بسورة من مثله ، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهر ، والفضائل العلمية والعملية الغالبة للحصر ، ولو لم يؤت إلا القرآن وحده كفى به فضلا منيفا على سائر ما أوتي الأنبياء ؛ لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات وبانشقاق القمر بإشارته ، وحنين الجذع بمفارقته ، وتسليم الحجر عليه ، وكلام البهائم والشهادة برسالته ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وغير ذلك مما لا يحصيه إلا اللّه تعالى . وروي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ما من نبيّ من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » « 1 » . وروي عنه أنه قال : « أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي : نصرت بالرعب من مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمّتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبيّ يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامّة » « 2 » . وروي عنه أنه قال : « فضلت على الأنبياء بست : أوتيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون » « 3 » .
وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ
من إحياء الموتى وغيره
وَأَيَّدْناهُ
أي : قويناه
بِرُوحِ الْقُدُسِ
وهو جبريل يسير معه حيث سار ، وخص عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم باسمه لإفراط اليهود في تحقيره ، والنصارى في تعظيمه حيث قالوا : هو ابن اللّه وأبهم محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله تعالى :
بَعْضَهُمْ
حيث لم يقل ورفع محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم لما في الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه ، والمتميز الذي لا يلتبس ، ويقال للرجل : من فعل هذا ؟ فيقول أحدكم أو بعضكم ، يراد به الذي تعورف واشتهر ، فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه . وسئل الحطيئة عن أشعر الناس فذكر زهيرا والنابغة ثم قال : ولو شئت لذكرت الثالث أراد نفسه ، ولو قال : ولو شئت لذكرت نفسي لم يفخم أمره .
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ
أي : الذي له جميع الأمر ، هدى الناس جميعا باتفاقهم على دين واحد
مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ
أي : بعد الرسل أي : ما اقتتلت أممهم
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ
أي : المعجزات الواضحات على أيدي رسلهم ؛ لاختلافهم في الدين وتضليل بعضهم بعضا
وَلكِنِ اخْتَلَفُوا
لمشيئته تعالى ذلك
فَمِنْهُمْ
أي : فتسبب عن اختلافهم إن كان منهم
مَنْ آمَنَ
أي : ثبت على إيمانه
وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ
كالنصارى بعد المسيح .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في فضائل القرآن حديث 4981 ، ومسلم في الإيمان حديث 152 . ( 2 ) أخرجه البخاري في التيمم حديث 335 ، ومسلم في المساجد حديث 521 ، والنسائي في الغسل حديث 432 . ( 3 ) أخرجه مسلم في المساجد حديث 523 ، والترمذي في السير حديث 1553 .