تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
بالآيات البينات أنّ الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية ، وأنّ الكفر غيّ يؤدّي إلى الشقاوة السرمدية ، والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإيمان ، طلبا للفوز بالسعادة والنجاة ، فلم يحتج إلى الإكراه والإلجاء
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ
أي : فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام
وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ
أي : بالتوحيد وتصديق الرسل
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى
أي : تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين
لَا انْفِصامَ
أي : لا انقطاع
لَها .
قال التفتازاني : شبه التديّن بالدين الحق ، والثبات على الهدى والإيمان بالتمسك بالعروة الوثقى المأخوذة من الحبل المحكم المأمون تقطعها ، ثم ذكر المشبه به وأراد المشبه وقال الزمخشريّ : وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس ، حتى يتصوّره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده والتيقن به اه . والوثقى تأنيث الأوثق ، وقيل : العروة الوثقى السبب الذي يتوصل به إلى رضا اللّه تعالى
وَاللَّهُ سَمِيعٌ
لما يقال :
عَلِيمٌ
بالنيات والأفعال وقيل : سميع لدعائك إياهم إلى الإسلام عليم بحرصك على إيمانهم .
اللَّهُ وَلِيُّ
أي : ناصر ومعين
الَّذِينَ آمَنُوا
أي : أرادوا أن يؤمنوا لقوله تعالى :
يُخْرِجُهُمْ
أي : بلطفه وتأييده
مِنَ الظُّلُماتِ
أي : الكفر
إِلَى النُّورِ
أي : الإيمان أو أنهم الثابتون على الإيمان بأن يخرجهم من الشبهة في الدين إن وقعت ، لهم بما يهديهم ويوفقهم له من أجلها ، حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين . وعن ابن عباس : أنهم قوم كانوا كفروا بعيسى وآمنوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ
أي : الشيطان وقال مقاتل : هو كعب بن الأشرف وحييّ بن أخطب وسائر رؤوس الضلالة
يُخْرِجُونَهُمْ
أي : يدعونهم
مِنَ النُّورِ
الذي منحوه بالفطرة
إِلَى الظُّلُماتِ
أي : الكفر . فإن قيل : كيف يخرجونهم من النور وهم كفار لم يكونوا في نور قط ، أجيب : بأنّ الطبرانيّ « 1 » روى عن ابن عباس أنها نزلت في قوم آمنوا بعيسى ، فلما بعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كفروا به » ، أو أنه تعالى ذكر الإخراج في مقابلة يخرجهم من الظلمات ، فهو على العموم في حق جميع الكفار كما يقول الرجل لأبيه : أخرجتني من مالك ولم يكن فيه ، كما قال تعالى إخبارا عن يوسف عليه الصلاة والسّلام :
إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
[ يوسف ، 37 ] ولم يكن قط في ملتهم وقيل : نزلت في قوم ارتدّوا عن الإسلام ، وإسناد الإخراج إلى الطاغوت باعتبار السبب لا يأبى تعلق قدرته تعالى وإرادته به ، والطاغوت يكون مذكرا ومؤنثا وواحدا وجمعا ، قال تعالى في المذكر : والواحد
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ،
[ النساء ، 60 ] وقال تعالى في المؤنث
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها
[ الزمر ، 17 ] وقال في الجمع :
يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ .
وقوله تعالى :
أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
وعيد وتحذير . قال البيضاويّ : ولعلّ عدم مقابلته بوعد المؤمنين تعظيم لشأنهم .
هامش
( 1 ) انظر الطبراني في المعجم الكبير 11 / 82 .